دراســــات
في القانون الدولي العام
المدخل لدراسة حقوق الإنسان
دراسة منهجية مقارنة ما بين القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية
المنظومة القانونية لحماية حقوق الإنسان
الطبيعة القانونية لقواعد الحماية المقررة للمدنيين
( القانون الدولي الانساني)
مستقبل المجتمع المدني في العراق
(دراسة قانونية في إطار حركة المجتمع المدني العراقي )
في القانون الدولي العام
وسام نعمت إبراهيم السعدي
نائب ريس الهيئة الإدارية
يتفق الباحثون في ميدان الدراسات القانونية على أنه لا يوجد تعريف محدد "للأقلية" أو للجماعة الصغيرة. ولعلى مكمن الصعوبة في عدم التوصل إلى تعريف محدد لمصطلح الأقلية يتمثل في تباين أوضاع الأقليات. ذلك أن بعض الأقليات يعيش في مناطق محددة المعالم، ومنفصلة عن الجماعة أو الجماعات التي تشكل الأغلبية في المجتمع. وفى المقابل، تتوزع بعض الأقليات الأخرى بين كل أجزاء إقليم الدولة وعلى كل قطاعات المجتمع. كذلك، فإنه يلاحظ أنه في حين يحدو بعض الأقليات شعور قوى بالهوية الجماعية قائم على تاريخ لم تسقطه الأجيال من ذاكرتها، نجد أن بعض الأقليات الأخرى لا تكاد تحتفظ سوى بفكرة مثستتة عن تراثها المشترك. كما تتباين أوضاع الأقليات من حيث مدى الاستقلال الذي تتمتع به، ففي حين يتمتع بعضها بدرجة ملحوظة من هذا الاستقلال، لم تعرف أقليات أخرى أي درجة من هذا الاستقلال أو الحكم الذاتي.
ورغم صعوبة التوصل إلى تعريف مانع جامع للأقليات يكون مقبولاً على المستوى العالمي ، إلا انه تم تعيين خصائص مختلفة للأقليات تكاد تغطي معاً معظم حالات الأقليات ، وذلك بالقول بان الأقلية هي مجموعة غير مهيمنة من الأفراد الذين يشتركون في خصائص قومية أو أثنية أو دينية أو لغوية معينة تختلف عن خصائص غالبية السكان .([1])
هناك قنوات عديدة يتم فيها الكلام عن تعريف لمصطلح الأقليات ولكننا سنقتصر في استعراضنا لتعريف هذا المصطلح على قناتين وهما الفقه والتشريع، ونظرا لأهمية موقف الأمم المتحدة من هذا المصطلح فقد أفردنا له فقرة خاصة به.
أولا: التعريف الفقهي:
ما هي الأقلية؟ من الذي يعرف الأقلية؟ من هم المستفيدون من حقوق الأقلية؟ كل هذه الأسئلة والردود عليها كانت موضع عدد من الدراسات التي قام بها العديد من الفقهاء. وموضع مناقشات طويلة جرت في مؤتمرات كثيرة تناولت حماية الأقليات. ولم يتم التوصل إلى أجوبة محددة ولم يكن أي تعريف شامل مرض لمصطلح الأقلية موضع قبول([2]).
ولكن على الرغم من صعوبة التوصل إلى تعريف مقبول، فقد تم تعيين خصائص مختلفة للأقليات تغطي معا معظم حالات الأقليات وترتب على ذلك تعدد واختلاف في تعريفات الأقلية بحسب بؤرة الاهتمام التي ينطلق منها التعريف، والسياق الذي يندرج فيه، والوظيفة التي يراد له أن يقوم بها.
فقد عرفت الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية الأقلية بأنها: (جماعة من الأفراد الذين يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقياً أو قومياً أو دينياً أو لغوياً، وهم يعانون من نقص نسبي في القوة، ومن ثم، يخضعون لبعض أنواع الاستعباد والاضطهاد والمعاملة التمييزية).([3])
وتناولت الموسوعة الأمريكية الأقليات على أنها: (جماعات لها وضع اجتماعي داخل المجتمع أقل من وضع الجماعات المسيطرة في المجتمع نفسه، وتمتلك قدراً أقل من القوة والنفوذ وتمارس عدداً أقل من الحقوق مقارنة بالجماعات المسيطرة في المجتمع، وغالباً ما يحرم أفراد الأقليات من الاستمتاع الكافي بامتيازات مواطني الدرجة الأولى).
كما عرفت الأقليات بأنها: (مجموعة من سكان قطر أو إقليم تخالف الأغلبية في الانتماء العرقي أو اللغوي أو الديني، دون أن يعني ذلك بالضرورة موقفاً سياسياً وطبقياً متميزاً. ويستخدم المفهوم بمعنى طبقي سياسي أيضا كأن يقال أقلية حاكمة). ([4])
وهناك من يرى إن الأقلية في عرف القانون الدولي تعني: ( فئات من رعايا الدولة من الدول تنتمي من حيث العرق أو اللون أو اللغة أو الدين إلى غير ما تنتمي إليه أغلبية رعاياها)([5]).
وفي تعريف آخر يرى البعض أن: (الأقليات هي جماعات قومية أو لغوية ثقافية أو دينية أو مذهبية تنتظم في بنى وتشكيلات، وتقوم في داخلها وفيما بينها وبين الأكثرية علاقات يحددها مستوى تطور المجتمع المعني ودرجة اندماجه القومي والاجتماعي).
فالأقليات هي أية مجموعة بشرية تختلف عن الأغلبية في واحد أو أكثر من المتغيرات التالية: الدين أو اللغة أو الثقافة أو السلالة. والعبرة كما قلنا هي ما إذا كان أي من هذه المتغيرات (الدين- اللغة- الثقافة- السلالة) يضفي علي مجموعة بشرية معينة قسمات اجتماعية- اقتصادية- حضارية تلون سلوكها ومواقفها السياسية في مسائل مجتمعية رئيسية([6]).
والجماعة الإثنية تستخدم في العلوم الاجتماعية، لتشير إلى أي جماعة بشرية يشترك أفرادها في العادات والتقاليد واللغة والدين وأي سمات أخرى متميزة بما في ذلك الأصل والملامح الفيزيقية والجسمانية .
ثانيا: التعريف القانوني:
يقصد بالتعريف القانوني التعريف الذي أوردته بعض نصوص الاتفاقيات التي عنيت بهذا الموضوع.
في عام 1950 ناقشت اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات التابعة للأمم المتحدة، خلال عدة اجتماعـات، العناصـر الأساسية المحددة لمعنى اصطلاح "الأقلية"، فقالت :" أن الجماعات التي تُعرف عادة بأنها أقلية قد تنتمي إلي أصل عرقي، قد يكون لها تقاليد دينية أو لغوية أو خصائص معينة تختلف مع خصائص بقية السكان. ومثل هذه الجماعات ينبغي حمايتـها بإجراءات خاصـة على المستويين القومي والدولي حتى يتمكنوا من المحافظة على هذه التقاليد والخصائص، ودعمها."([7])
ومن أبرز هذه التعريفات هو تعريف مسودة الاتفاقية الأوروبية لحماية الأقليات حيث قررت أن مصطلح الأقلية يعني: (جماعة عددها أقل من تعداد بقية سكان الدولة، ويتميز أبناؤها عرقياً أو لغوياً أو دينياً عن بقية أعضاء المجتمع، ويحرصون على استمرار ثقافتهم أو تقاليدهم أو ديانتهم أو لغتهم).
وقد عرفت إحدى الوثائق الدولية الأقلية بأنها : " جماعة تقل عددا عن بقية سكان الدولة، ويكون أعضاؤها من مواطنيها، ولهم خصائص أثنية، أو دينية، أو لغوية مختلفة عن تلك الخاصة ببقية السكان، كما أن لديهم الرغبة في المحافظة علي تقاليدهم الثقافية والدينية".([8]) .
وهناك وثيقة دولية أخرى تُعـرّف الأشخاص المنتمين إلي أقليات قومية بأنهم الأشخاص الكائنين بشكل دائم في إقليم أي من الدول الموقعة علي العهد ويحملون جنسيتها، ولكن لهم من الخصائص العرقية، أو اللغوية، أو الثقافية، أو الدينية ما يجعلهم مميزين عن بقية سـكان الدولة".([9]) وإلى هذا التعريف، أُضيف التأكيد بأنه: "لا يجوز تفسير اصطلاح الأقلية بشكل يحض على – أو يُجيز – اتخاذ أي إجراء يهدف إلي حرمان أي شخص من إقامته الدائمة أو من وضعه كمواطن".
وجاء في "إعلان فـيينا" لحماية الأقليات القومية في الدول الأوروبية والصادر عن مجلس أوروبـا في عام 1993: (إن الأقلـيات القومـية هي المجموعات التي صارت أقليات داخل حدود الدولة نتيجة أحداث تاريخية وقعت ضد إرادتها. وأن العلاقة بين مثل هذه الأقلية والدولة علاقة مستديمة وأفرادها من مواطني هذه الدولة). ([10])
وأما إعلان الأمم المتحدة حول حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية (أو عرقية) ودينية ولغوية فقد سكت عن تعريف الأقلية متجاوزاً ذلك في مواده التسع إلى تأكيد أهمية الحفاظ على حقوق الأقليات ومساواتهم في الحقوق مع الأغلبية، وقد عرض على اللجنة التحضيرية لهذا الإعلان تعريف للأقلية قدمه الوفد الألماني يقول: (الأقلية هي جماعة من مواطني الدولة تشكل أقلية عددية لا تحظى بصفة السيطرة أو الغلبة في الدولة، ويتميزون عن بقية أعضاء المجتمع عرقياً أو لغوياً أو دينياً، وهم يميلون إلى التضامن معاً، ويحرصون، وقد يكون هذا الحرص كامناً، على البقاء، ويهدفون إلى تحقيق المساواة مع الأغلبية واقعاً وقانونا).
ويبدو هذا التعريف أقرب التعريفات السابقة إلى منطق حقوق الإنسان الذي لا يتعارض مع مبدأ السيادة الوطنية، سيادة الدولة الوطنية أو القومية، فهو يبرز حقيقة أن الأقلية جماعة من مواطني الدولة، ومن ثم فإن جميع الصفات الأخرى تقع في دائرة هذه الحقيقة الموضوعية، فحقوق الأقليات لا يجوز أن تتعارض مع سيادة الدولة، بينما يبدو تعريف الموسوعة الأميركية استثناء، في إبراز عدم تمتع الأقلية بامتيازات مواطني الدرجة الأولى.
ثالثا: التعـريف المعمول به في الأمم المتحدة
في عام 1991نشرت الأمم المتحدة دراسة للمقرر الخاص لحقوق الانسان، تتبع تطور مفهوم "الأقلية" منذ عام 1930 حيث أورد رأيا استشاريا لمحكمة العدل الدولية كانت قدمت فيه تفسيراً للمفهوم، و جاء فيه""تُعرف الجماعة (الأقلية) بأنها مجموعة من الأفراد يعيشون في قطر ما أو منطقة، وينتمون إلي أصل، أو دين، أو لهم لغة أو عادات خاصة، وتوحدهم هوية قائمة على واحدة أو أكثر من هذه الخصائص. وفي تضامنهم معاً يعملون علي المحافظة على تقاليدهم، والتمسك بطريقة عبادتهم، والتأكيد على تعليم ونشأة أولادهم طبقاً لروح هذه التقاليد، مقدمين المساعدة لبعضهم البعض"([11]).
وفي دراسة لاحقة قام بها المقرر الخاص في عام 1997حول تفسير مفهوم " الأقلية"، شاركت عدة حكومات بملاحظاتها وآرائها في هذا الموضوع. وجاء في نهاية تلك الدراسة: " التأكيد على ضرورة إضافة عنصر ذاتي Subjective إلى تعريف الأقلية. ويتمثل هذا العنصر في رغبة الجماعة (الأقلية) في المحافظة على تقاليدها وخصائصها". بالإضافة إلي ذلك، "تشكل كل أقلية شـخصية اجتماعية وثقافية". من جانب آخر "يظل العامل العددي (أي صغر حجم الجماعة مقارنة مع بقية سكان البلد) عنصراً لا يمكن التقليل من أهميته، إذ أن الحاجة إلي حماية الأقليات تنشأ أساساً من ضعف وضعها حتى في محيط الدولة الديمقراطية" ([12]).
واستناداً إلى هذه المعايير العامة، خلصت اللجنة الفرعية لحقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة إلى وضع تعريف للأقلية مؤداه: أن الأقلية أو الأقليات عموماً هي: " تلك الجماعات التي لها أصل عرقي ثابت وتقاليد دينية ولغوية وصفات تختلف بصفة واضحة عن بقية الشعب الذي تعيش فيه، ويجب أن يكون عدد هذه الأقلية كافياً للحفاظ على تقاليدها وخصائصها، كما يجب أن تدين بالولاء للدولة التي تتمتع بجنسيتها".
كما عرفت اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الأقليات بأنها: (جماعات متوطنة في المجتمع تتمتع بتقاليد خاصة وخصائص إثنية أو دينية أو لغوية معينة تختلف بشكل واضح عن تلك الموجودة لدى بقية السكان في مجتمع ما وترغب في دوام المحافظة عليها).
([1]): Studies on the Rights of persons belonging to Ethnic, Religious &Linguistic Minorities, Studies Series No5, p.96.
([2]) أنظر: حقوق الأقليات، سلسلة صحف الوقائع في حقوق الإنسان، صحيفة وقائع رقم (18)، منشورات الأمم المتحدة، الطبعة الثالثة، 2003، ص 15.
([3]): د.بودون وف. بوريكوا : المعجم النقدي لعلم الاجتماع ، ترجمة سليم حداد ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت،1986، ص50-51.
([4]) أنظر: د. عبد الوهاب الكيالي وآخرون، الموسوعة السياسة، الطبعة 3، دار النعمة للطباعة، بيروت، 1990، الجزء 1، ص 244.
([5] ) : محمد عنجريني ، حقوق الانسان بين الشريعة والقانون ، ط1، دار الفرقان ، عمان ، الأردن، 2002،ص125.
[6])): د. سعد الدين إبراهيم, تأملات في مسألة الأقليات, دار سعاد الصباح, مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية, القاهرة1992،ص23.
[7]) ): انظر : وثيقة الأمم المتحدة (E/CN.4/367) المؤرخة في 7نيسان 1950.
([8]) : المادة الأولى من قانون حماية حقوق الأقليات الصادر عن المبادرة الأوروبية المركزية بتورينتو في 18 من تشرين الثاني 1994.
[9])): المادة الأولى من العهد الضامن لحقوق الأشخاص المنتمين إلي أقليات، الصادر بموسكو في 21 من تشرين الأول 1994 عن رابطة الدول المسـتقلة عن الاتحاد السوفيتي سـابقا.
([10])Tanislav Chernichenko, Definition of Minorities (E/CN.4/ Sub.2/AC.5/1997/WP.1), p.3.
([11]): Francesco Capotorti, Study on the Rights of Persons belonging to Ethnic, Religious and Linguistic Minorities, (United Nations: New York, 1991), pp. 5-10.
([12]): Athanasia Spiliopoulou Åkermark, Justifications of Minority Protection in International Law, (London/ The Hague/ Boston: Kluwer Law International, 1997), p. 226.
المدخل لدراسة حقوق الإنسان
دراسة منهجية مقارنة ما بين القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية
* أ.وسام نعمت السعدي
O
وَلَقَدْ
كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم
مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً
(الإسراء / 70)
w
القسم الأول
حقوق الانسان في القوانين الوضعية
الفصل الأول : مفهوم حقوق الإنسان
المبحث الأول : تعريف حقوق الإنسان
المطلب الأول: مفهوم الحق
المطلب الثاني : المفهوم القانوني لحقوق الإنسان .
المبحث الثاني : القيود التي ترد على حقوق الإنسان .
المطلب الأول : التشريعات والقوانين .
المطلب الثاني : الأعراف والتقاليد .
المطلب الثالث : الشرائع والأديان السماوية .
· الفصل الثاني : خصائص حقوق الإنسان .
المبحث الأول : مفهوم خصائص حقوق الإنسان .
المبحث الثاني : ابرز الخصائص العامة لحقوق الإنسان .
المطلب الأول : حقوق الإنسان حقوق عالمية .
المطلب الثاني : حقوق الإنسان حقوق طبيعية .
المطلب الثالث : حقوق الإنسان حقوق نسبية وقابلة للتطور .
المطلب الرابع : حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة .
· الفصل الثالث : أقسام حقوق الإنسان .
المبحث الأول : تقسيم حقوق الإنسان من حيث محل الحق أو موضوعه .
المطلب الأول : حقوق الإنسان الفردية
المطلب الثاني : حقوق الإنسان الجماعية .
المبحث الثاني : تقسيم حقوق الإنسان من حيث ظروف التطبيق .
المطلب الأول : حقوق الإنسان في ظل السلم .
المطلب الثاني : حقوق الإنسان في ظل الحرب .
المبحث الثالث : تقسيم حقوق الإنسان من حيث التطور التاريخي ( أجيال حقوق الإنسان ).
المطلب الأول : الحقوق المدنية والسياسية .
المطلب الثاني : الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
المطلب الثالث : الحقوق البيئية والتنموية والفكرية .
· الفصل الرابع : مصادر حقوق الإنسان :
المبحث الأول : في القوانين الوضعية
المطلب الأول : القانون الدولي العام
أولاً : الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان .
ثانياً : المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان .
ثالثاً : الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان .
رابعاً : الصكوك الدولية الأخرى .
المطلب الثاني : القوانين والأعراف الدستورية .
المطلب الثالث : القوانين الداخلية .
المبحث الثاني: مصادر حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية .
المبحث الأول : المصادر الأصلية ( القران الكريم والسنة النبوية ) .
المبحث الثاني : المصادر التبعية ( الاجتهاد والقياس و الإجماع والاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة وسد الذرائع ورأي الصحابة ) .
· الفصل الخامس : حقوق الإنسان في ظل الحرب : ( القانون الدولي الإنساني ) .
المبحث الأول : مفهوم القانون الدولي الإنساني .
المبحث الثاني :مصادر القانون الدولي الإنساني .
المبحث الثالث : الفئات المحمية بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني .
المطلب الأول : الأفراد
أولاً : المدنيون
ثانياً : العسكريون
المطلب الثاني : الأعيان المدنية .
· الفصل السادس: الجرائم الدولية .
المبحث الأول : مفهوم الجرائم الدولية .
المبحث الثاني : أنواع الجرائم الدولية .
المطلب الأول : جرائم الحرب
المطلب الثاني: جرائم ضد السلم
المطلب الثالث: جرائم ضد الإنسانية
المطلب الرابع : جريمة إبادة الجنس البشري
المطلب الخامس : جريمة العدوان
· الفصل السابع: دور المنظمات غير الحكومية في مجال حقوق الإنسان
المبحث الأول: مفهوم المنظمات غير الحكومية .
المبحث الثاني: تعريف منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية.
المبحث الثالث: أنواع منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية.
المبحث الرابع: دور المنظمات غير الحكومية في مجال حقوق الإنسان.
المطلب الأول: دورها في مجال نشر ثقافة حقوق الإنسان.
المطلب الثاني: دورها في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان.
المطلب الثالث: دورها في مجال تقنين حقوق الإنسان.
المطلب الرابع: دورها في مجال تعزيز وتطوير حقوق الإنسان.
المطلب الخامس: دورها في مجال رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان.
القسم الثاني
حقوق الانسان في الشريعة الإسلامية .
مقدمة في الإسلام وحقوق الانسان
· الفصل الأول:الإسلام والإنسان بصفته فرداً.
· المطلب الثاني: الإسلام وعلاقة الفرد بالدولة.
· المفصل الثالث:الإسلام وحقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية.
· الفصل الرابع: حقوق الانسان في التصور الإسلامي، دراسة لبعض التطبيقات.
الفصل الأول
مفهوم حقوق الإنسان
The Conception of Human Rights
إن البحث في مفهوم حقوق الإنسان يستوجب منا أن نعرف حقوق الإنسان وان نحدد ماذا نقصد بالحق وان نميز الحق عن الواجب ، ولا بد من تحديد ابرز ما يقيد حقوق الإنسان من قيود وهذا ما سنتناوله في هذا الفصل وكما يأتي :
المبحث الأول
تعريف حقوق الإنسان
(definition of Human Rights)
لا يوجد تعريف جامع مانع يمكنه أن يستوعب فكرة حقوق الإنسان ، وبسبب ذلك تعددت الآراء واختلفت الأفكار بخصوص هذا الموضوع ،وظهرت عدة تعاريف تناولت هذه الفكرة ، معظمها لم يستوعب مصطلح حقوق الإنسان . من هنا نرى انه من المناسب أن نحدد ماذا نفصد بالحق أولاً ثم نتناول تعريف حقوق الإنسان وكما يأتي :
المطلب الأول
مفهـوم الـحق
The Conception of Right
الحق في اللغة يأتي بمعنى الشيء الثابت ويأتي بمعنى النصيب من الشيء ويأتي نقيض الباطل أما في الاصطلاح القانوني فإننا نعرف الحق كما يأتي : الحق هو : ( مصلحة يحميها القانون) .
وإذا كان الحق مصلحة يحميها القانون فالسؤال الذي يطرح هنا هو ما هو القانون وما هي الغاية منه؟
القانون : (مجموعة القواعد التي تصدر عن جهة مختصة والتي يجب على الجميع احترامها والالتزام بها ). والقانون يجب أن يصدر من قبل جهة مختصة ويكون ملزماً للآخرين ، والجهة المختصة بإصدار القوانين في الدولة هي السلطة التشريعية . وإلزامية القانون تأتي من خلال فرض الجزاءات على المخالفين . والغاية من القانون هي تنظيم الحياة العامة للأفراد والمجتمعات من خلال تحديد الحقوق والواجبات وحماية تلك الحقوق من خلال منع الاعتداء أو التجاوز عليها .
وقانون حقوق الإنسان هو : مجموعة القواعد القانونية الوطنية والإقليمية والدولية المنظمة لجوانب مختلفة من حقوق الإنسان .
ويلاحظ أن كل حق يقابله واجب فالحق في التملك يعطي صاحبه سلطة التمتع بملكه ويفرض على الآخرين واجب عدم الاعتداء على ذلك الملك كما يفرض على المالك عدم التعسف في استعمال حقه في التملك .
فائدة: السلطات الأساسية في الدولة هي ثلاث ( تشريعية ، تنفيذية ، قضائية ). ( لاحظ المخطط الأتي ) .

ولكل من هذه السلطات اختصاصها ، فالسلطة التشريعية وضيفتها سن وتشريع القوانين والسلطة التنفيذية وضيفتها تنفيذ القوانين، وتنفيذ القوانين ( هي عملية إدارية إجرائية تقوم بها الحكومة عبر أجهزتها المختلفة ) ، أما السلطة القضائية فمهمتها تطبيق القوانين ، وتطبيق القانون يقوم به القاضي عبر مطابقة النص القانوني للواقعة المعروضة أمامه ) .
المطلب الثاني
تعريف حقوق الإنسان
بعد أن حددنا مفهوم الحق يثار التساؤل عن موضوع الحق ( أي محتواها ) ونحن بصدد دراسة حقوق الإنسان يكون مضمون الحق هو الإنسان لان الحق ينصب على احد العناصر أو المقومات الأساسية للإنسان ، ولا يخفى على الجميع أن الإنسان هو خليفة الله ، ذلك المخلوق المكرم من الله ، والذي ولد حراً وليس لأحد أن يستعبده ، ولد وقد ولدت معه حقوقه الفطرية التي وهبها الله له والتي ليس لأحد أن ينتزعها منه مهما كانت صفته إلا بالشكل الذي قدره الله في شريعته . وقد عرف علماء المنطق الإنسان بأنه ( كائن حي مفكر ) . ومهما يكن الأمر نستطيع أن نعرف حقوق الإنسان بأنها : ( تلك الحقوق الأصلية التي لا يمكن للإنسان العيش من دونها ) . والمقصود بالحقوق الأصلية هنا الحقوق الطبيعية والفطرية ، وهذا التعريف هو تعريف منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ،و يمتاز هذا التعريف ببساطته ووضوحه وشموله لجانب كبير من حقوق الإنسان الأساسية والجوهرية .
المبحث الثاني
القيود التي ترد على حقوق الإنسان
إن فكرة الحقوق المطلقة هي فكرة خيالية ، فجميع الحقوق نسبية وبالتالي فإنها تتقيد
ببعض القيود التي ترد عليها لتنظمها وتحددها وتهذبها، ومن بين ابرز ما يقيدها نذكر
ما يأتي : ( لاحظ المخطط )
المطلب الأول
التشريعات والقوانين
تشكل القوانين النافذة على اختلاف أشكالها والتي تأتي لتنظيم الحقوق وصقلها وتهذيبها من بين المحددات الأساسية التي تقيد من حق الشخص إما لحماية شخص أخر أو لمقتضيات المصلحة العامة . على أن ذلك لا يخول السلطة أن تصدر قوانين تعسفية تصادر الحقوق أو تتجاوز عليها و إلا كانت تلك القوانين غير مشروعة .
المطلب الثاني
الأعراف والتقاليد ( النظام العام والآداب العامة )
تشكل الأعراف والتقاليد الشائعة احد المقومات التي تنظم وتحكم جانباً مهماً من حقوق الإنسان وعلى هذا الأساس ظهر هناك تباين في مفهوم حقوق الإنسان بين الغرب والمجتمعات الشرقية لان أعراف وتقاليد كل من المجتمعين مختلفة عن الأخر،وبالتالي تبقى المجتمعات الإنسانية متمسكة بقيمها وتقاليدها وأعرافها الاجتماعية فهي ترفض من الحقوق ما لا يتفق مع تلك القيم والأعراف . والعرف في مفهومه القانوني هو : ( مجموعة القواعد التي درج الأفراد على إتباعها في ميادينهم الحياتية كافة لشعورهم بوجوب احترامها ) . وللعرف ركنان الأول مادي يتمثل بتكرار العادة لمرات عدة وركن معنون يتمثل بشعور الأفراد بضرورة احترام العادة وعدم جواز مخالفتها . وفي جميع الأحوال يجب أن لا تتعارض حقوق الإنسان مع النظام العام والآداب العامة في المجتمع ونقصد بالنظام العام ( مجموعة القواعد السيادية التي لا يمكن الخروج عليها أو مخلفتها بأي شكل من الأشكال )، أما الآداب العامة فتشير إلى ( المنظومة الأخلاقية والقيمية في المجتمع والتي يحترمها الجميع ويحرصوا عليها )
المطلب الثالث
الشرائع والأديان السماوية
تعتبر الشرائع السماوية والأديان احد ابرز مصادر حقوق الإنسان التي تسهم في رفد تلك الحقوق بالكثير من المعطيات الأساسية . وفي الوقت نفسه تقف تلك الشرائع السماوية بوجه جميع المحاولات الرامية إلى المغالاة في تلك الحقوق ، فالشريعة الإسلامية مثلاً أقرت للإنسان من الحقوق مالم تقره أي من القوانين الوضعية وهذبت تلك الحقوق ونظمتها ومنعت الاعتداء عليها بأي شكل من الأشكال وهي جاءت لتحمي الإنسان من الأفكار التي تدعي التحرر والانفتاح ،تلك الأفكار التي لن تضيف للإنسان سوى حقوق موهومة طالما كانت بعيدة عن جوهر الحقوق الإنسانية التي أقرتها.
الفصل الثاني
خصائص حقوق الإنسان
إن المقصود بخصائص حقوق الإنسان هنا ابرز المميزات والمشتركات العامة التي تجمع بين تلك الحقوق ، وهذه الخصائص هي التي تميز حقوق الإنسان عن سائر الحقوق المتعارف عليها في عالم القانون كالحقوق العينية والحقوق الشخصية وغيرها . وفي هذا المجال نستطيع أن نحدد ابرز الخصائص العامة المميزة لتلك الحقوق بما يأتي :
المطلب الأول
العالمية
إن حقوق الإنسان أصبحت في الوقت الحاضر حقوق عالمية وذلك للأسباب آلاتية :
1. إن هذه الحقوق هي مشتركات إنسانية تكاد لا تختلف من مجتمع لآخر أو من بلد لأخر .
2. إن هذه الحقوق أصبح الاهتمام بها في الوقت الحاضر على مستوى العالم بآسره وأصبحت تتداول في أروقة المنظمات والهيئات الدولية والعالمية ولم يعد بامكان أي دولة في العالم إنكار تلك الحقوق أو تجاهلها .
3. إن عالمية تلك الحقوق تأتي من عالمية فكرة الحق ، فالحق مفهومه واضح وبين ولا يصعب على أي إنسان في العالم فهمه أو التعامل معه.
المطلب الثاني
إن هذه الحقوق حقوق فطرية ( طبيعية )
وهنا يثار التساؤل حول مفهوم الحق الطبيعي ومفهوم الحق المكتسب ، فماذا نقصد بالحق الطبيعي وماذا نقصد بالحق المكتسب ؟
الحق الطبيعي : هو ذلك الحق الذي يولد مع الإنسان والذي يهبه الله له والذي لا يمكن لأحد أن يسلبه إلا واهبه .
أما الحق المكتسب : فهو الحق الذي يمنح للإنسان من مصدر ما قد يكون ذلك المصدر القانون أو العرف أو الأفكار الفلسفية . وطالما كان ذلك الحق ممنوحاً كان لمانحه الحق في سلبه متى شاء وكيفما أراد .
والقول بان حقوق الإنسان هي حقوق فطرية يعني انه ليس بامكان السلطة أن تحرم الأشخاص من حقوقهم تحت دعاوى أو مبررات عدة ، وان حدث أمر كهذا فان ذلك يجعلها مسؤولة عن انتهاك تلك الحقوق .
ويترتب على القول بان حقوق الإنسان هي حقوق طبيعية ما يأتي :
1. إنها فطرية وهي تكريم من الخالق عز وجل لخلقه وهي منجبلة بالإنسان أي بفطرة الإنسان .
2. إن هذه الحقوق غير قابلة للتصرف : فلا يمكن بيعها أو شرائها ولا رهنها ولا هبتها للآخرين ولا استأجارها والمقصود بالحقوق هنا اصل الحق لا ما يرتبه الحق فلا يمكن للإنسان أن يتخلى عن حقه في التملك بشكل عام ولكنه يستطيع التصرف بملكه بيعاً أو شراءً وهكذا الأمر بالنسبة لباقي الحقوق .
3. إن التمتع بهذه الحقوق واستخدامها لا يتوقف على قبول السلطة الحاكمة أو رفضها .
المطلب الثالث
إن هذه الحقوق نسبية وقابلة للتطور
أولاً : النسبية : يقصد بالنسبية في مجال حقوق الإنسان إن هذه الحقوق تتباين وتختلف في أشكالها وفي صورها وفي طبيعة فهمها من مجتمع لأخر وهذا يأتي من الخصوصية التي تتمتع بها المجتمعات الإنسانية والتي تتميز من مجتمع لأخر تبعاً لاختلاف منظومة القيم والأخلاق والأعراف الاجتماعية وتبعاً لإحكام الشرائع السماوية والأديان التي تحكم كل مجتمع من المجتمعات .
ثانياً : قابلية تلك الحقوق للتطور : ذلك لان تلك الحقوق تنمو وتتطور وتتجدد تبعاً لنمو المجتمعات الإنسانية وتطورها ، فهي تظهر بمظاهر جديدة ومختلفة مع تعاقب الأجيال البشرية وهذا الأمر جعل تلك الحقوق لا تعد ولا تحصى .
المطلب الرابع
عدم قابلية تلك الحقوق للتجزئة
هذه الحقوق تشكل بنياناً متماسكاً غير قابل للانقسام أو التجزئة ، وعدم قابلية الحق للانقسام أو التجزئة تأتي على مستوى الحق الواحد وعلى مستوى الحقوق كافة ، والمثال على عدم قابلية الحق للتجزئة على مستوى الحق الواحد الحق في التملك والذي يعطي صاحبه امتيازات مختلفة كالبيع والشراء والرهن والهبة ففي حال صدر قانون أعطى للمالك الحق في أن يبيع ويشتري ويوهب ويؤجر ومنعه من الرهن كان ذلك القانون غير مشروع لان الحق وحدة واحدة لا يتجزأ ، وكذالك مع باقي الحقوق فلا يمكن أن يمنح قانون الأفراد الحق في العمل ويحرمهم من الحق في التعليم أو غيره.
الفصل الثالث
أقسام حقوق الإنسان ( أنواعها)
تتنوع الأشكال التي تظهر بها حقوق الإنسان وهذا التنوع يأتي من تنوع الاحتياجات الإنسانية والمطالب الإنسانية الجوهرية التي تأتي تلك الحقوق لإشباعها ويمكن أن نميز بين مجاميع بارزة ومعينة من تلك الحقوق وكما يأتي :
المبحث الأول
تقسيم حقوق الإنسان بحسب موضوع الحق
إن موضوع الحق هنا ومحله هو الإنسان وإذا ما جرى النظر إلى حقوق الإنسان من حيث إقرارها للأفراد فإننا نستطيع أن نميز بين مجموعتين أساسيتين من الحقوق،الأولى هي الحقوق الفردية والثانية هي الحقوق الجماعية :
المطلب الأول
الحقوق الفردية
وهي تلك الحقوق الفطرية المقررة للإنسان مراعاة لمكوناته ولخصائصه الإنسانية كفرد يجب أن يتمتع بمجموعة من الحقوق التي لابد منها ، وهذا النوع من الحقوق يشكل الشكل العام للحقوق الجوهرية والأساسية للإنسان ، كالحق في الحياة والحق في التملك والحق في التعليم والحق العمل وغيرها .
المطلب الثاني
الحقوق الجماعية
نستطيع أن نعرف هذه الحقوق بأنها ( مجموعة الحقوق التي لا تقر إلا للكيانات الإنسانية التي تحمل الوصف القانوني للجماعة ) فهي تقر للشعوب وللمجتمعات الإنسانية المنظمة وللدول وهذا ما يميزها عن الحقوق الفردية التي يكون إقرارها محصوراً بحدود ضيقة تنحصر في إطار الفرد الواحد أو مجموعة الأفراد، وتشكل الحقوق الجماعية الشكل الأكثر أهمية من الحقوق بسبب شمولها واتساع نطاقها ولأنها لا تخص فئة معينة بل مقررة لمجتمع أو لشعب من الشعوب ، ومن ابرز الأمثلة على الحقوق الجماعية الحق في التنمية والحق في العيش في بيئة نظيفة خالية من التلوث وحق تقرير المصير .
المبحث الثاني
الحقوق من حيث ظروف تطبيقها
تقسم حقوق الإنسان من حيث الظروف التي تطبق فيها إلى قسمين رئيسيين الأول حقوق الإنسان في ظل السلم والثاني حقوق الإنسان في ظل الحرب :
المطلب الأول
حقوق الإنسان في السلم
إن التمتع بحقوق الإنسان في ظل السلم هو الشكل الطبيعي والوضع الامثل لتلك الحقوق ، حيث تكون المنظومة الحقوقية مصانة وتكون وسائل إعمال الحقوق متاحة بسهولة ويسر ، فالأصل العام أن يحصل الإنسان على حقوقه في ظل حياة يسودها السلم والأمن والاستقرار وهذه المعطيات تكفل للجهات المعنية باحترام حقوق الإنسان أداء مهامها بسهولة ويسر.
المطلب الثاني
حقوق الإنسان في الحرب
اصطلح على تسمية هذه الحقوق بـ ( القانون الدولي الإنساني ) والذي يضمن الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية التي يجب احترامها في حال قيام النزاعات العسكرية المسلحة. ويأتي إقرار هذه الحقوق كاستثناء على الوضع العام والقاعدة التي تحكم هذا الموضوع هي أن الاستثناء لا يجوز التوسع فيه .
المبحث الثالث
حقوق الإنسان من حيث تطورها التاريخي
يميز المعنيون في مجال حقوق الإنسان بين ثلاث فئات من الحقوق ظهرت بحسب التطور التاريخي ويصطلح البعض على مراحل ظهور تلك الحقوق بما يسمى بأجيال حقوق الإنسان وهذه الحقوق بحسب ظهورها هي كما يأتي :
المطلب الأول
الحقوق المدنية والسياسية
وتشمل هذه المجموعة طائفة واسعة من الحقوق أهمها الحق في الحياة والحق في التملك والحق المساواة أمام القانون وأمام القضاء والحق في التمتع بالضمانات القانونية والحق في السلامة البدنية وعدم التعرض للتعذيب والحق في الانتخاب والترشيح للمناصب العامة والتصويت وشغل الوظائف والحق في احترام الخصوصية الشخصية والحق في التجمع السلمي وتكوين الأحزاب والجمعيات والحق في التعبير عن الآراء واعتناق الأفكار والحرية الدينية والحق في التنقل والحصول على الجنسية و الحصول على اللجوء في دولة أخرى .
المطلب الثاني
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
ومن ابرز الحقوق التي تقع في هذا الإطار الحق في العمل والحق في الحصول على اجر والحق في التنمية والحق في الاستفادة من الثروات الطبيعية والبشرية للبلد والحق في تحسين الوضع ألمعاشي وتحسين ظروف العمل والحق في الضمان الاجتماعي وإعالة البطالة والرعاية الاجتماعية والحق في تكوين أسرة وفي توفير ظروف معاشية لائقة والحق في التعليم والاستفادة من وسائل العلم والتقنية والحق في التمتع بالعلوم والمعارف والفنون واكتسابها والحصول عليها .
المطلب الثالث
الحقوق البيئية والتنموية والفكرية
وتعد هذه الحقوق حديثة العهد ظهرت نتيجة الجهود الدولية الرامية إلى تطوير المجتمعات المتخلفة وذلك من خلال إقرار حق التنمية كأحد الحقوق الأساسية لشعوب تلك الدول ، وأصبح الحق في البيئة من الحقوق الملحة التي ظهرت في أعقاب تزايد مخاطر التلوث الذي يهدد الحياة الإنسانية بأسرها ، أما الحقوق الفكرية فيراد بها الحقوق المقررة لحماية الملكية الفكرية كحقوق المؤلف وغيرها .
الفصل الخامس
مصادر حقوق الإنسان
يمكن أن نميز بين مصادر حقوق الإنسان في القوانين الوضعية وبين مصادرها في الشريعة الإسلامية وكما يأتي :
المبحث الأول
مصادر حقوق الإنسان في القوانين الوضعية
يمكن أن نميز من بين مصادر حقوق الإنسان بحسب أهميتها والزاميتها و سموها على غيرها كما يأتي:
المطلب الأول
القانون الدولي العام
يعرف القانون الدولي العام بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تحكم أطراف المجتمع الدولي .ويعد القانون الدولي العام من ابرز واهم مصادر حقوق الإنسان فهو يمد تلك الحقوق بالأحكام والمبادئ القانونية من خلال :
أولاً : الاتفاقيات الدولية : والتي تمتاز بسعة موضوعها وكثرة أطرافها مثل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب لعام 1984 واتفاقية حقوق الطفل لعام 1990 .
ثانياً : المعاهدات الدولية : وتتناول موضوعات محددة وتكون أطرافها اقل من الاتفاقيات،مثل معاهدة حظر استخدام الأسلحة النووية والكيميائية.
ثالثاً :الإعلانات العالمية : وهي عبارة عن مبادئ عامة مقررة من قبل المجتمع الدولي مثل إعلان حقوق الطفل والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948.
رابعاً : الصكوك الدولية الأخرى : وتشمل جميع الوثائق الأخرى التي لا ترقى إلى مرتبة الاتفاقيات أو المعاهدات أو الإعلانات مثل القرارات الدولية والتوصيات وغيرها .
المطلب الثاني
القوانين والأعراف الدستورية
وهي عبارة عن مجموعة من القواعد القانونية المكتوبة والعرفية التي ترد في الدساتير والوثائق الدستورية والتي تقر حق من الحقوق التي تدخل ضمن منظومة حقوق الإنسان في العالم . وتنظم الدساتير الحديثة الحقوق والحريات في باب مستقل يتضمن تفصيل تلك الحقوق والحريات وسبل حمايتها والتمتع بها .
المطلب الثالث
القوانين الداخلية
وهي عبارة عن القوانين المختلفة التي تشكل البناء القانوني لدولة من الدول، حيث تتضمن تلك القوانين إقراراً لبعض الحقوق أو تنظيماً لها مثل قانون الأحوال الشخصية والقانون المدني والقانون الجنائي والقانون التجاري وقانون العمل .
المبحث الثاني
مصادر حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية
إن المصادر الأساسية لحقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية هي ذاتها مصادر التشريع الإسلامي التي أوردها الفقهاء في كتب أصول الفقه الإسلامي وهي تنقسم إلى قسمين أساسيين القسم الأول يضم المصادر الأصلية والقسم الثاني يضم المصادر التبعية ويمكن توضيح ذلك وكما يأتي:
المطلب الأول
المصادر الأصلية
وسميت كذلك لأنها تستند إلى الوحي مباشرة ، وتتمثل هذه المصادر بمصدرين وحيدين هما القران الكريم والسنة النبوية المطهرة .
والقران الكريم : هو الكتاب السماوي المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو الدستور الذي ينظم مجمل الأحكام العامة للإنسان وهو الأكمل في تكريمه للإنسان وضمانه لحقوقه والأكثر تفوقاً وتقدماً على مجمل المنظومات القانونية الوضعية .
والسنة النبوية : وهي كل ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير .
المطلب الثاني
المصادر التبعية
وسميت كذلك لأنها تتبع المصادر الأصلية في إقرارها من حيث صحتها وبطلانها ، فيتم الرجوع إلى المصادر الأصلية للتأكد من مدى مطابقتها لها فتكون مقرة إذا لم تخالفها ولا يعتد بها إذا خالفتها . وهذه المصادر هي :
المصادر التبعية
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
ويمكن القول أن من ابرز خصائص حقوق الإنسان في الإسلام ما يأتي :
1. المرونة : وذلك بسبب مرونة الشريعة الإسلامية وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان
2. العالمية : لان الإسلام دين عالمي ولان التكريم القرآني للإنسان كان لعموم بني ادم كما دلت على ذلك الآية الكريمة في قوله تعالى :( ولقد كرمنا بني ادم ) .
3. إن هذه الحقوق أحيانا ترقى إلى مرتبة الضرورات في الشريعة الإسلامية والتي تعترف بان من مقاصد الشريعة الخمس هي حفظ النفس والمال والعرض والدين والنسل.
الفصل السادس
حقوق الإنسان في ظل الحرب ( القانون الدولي الإنساني )
المبحث الأول
مفهوم القانون الدولي الإنساني
يعرف القانون الدولي الإنساني بأنه : مجموعة القواعد التي تحكم المنازعات المسلحة على اختلاف أنواعها ، والمنازعات المسلحة تكون إما دولية أو داخلية ولكل من هذين النوعين أحكامه الخاصة به . وقد أقرت أحكام هذا القانون من اجل حماية المدنيين وتخليصهم من الكوارث المدمرة التي تتركها الحروب ويعد هذا القانون احد ابرز الميادين الأساسية في مجال الدراسات الخاصة بحقوق الإنسان .
المبحث الثاني
مصادر القانون الدولي الإنساني
يستند القانون الدولي الإنساني إلى العديد من الوثائق الدولية التي تشكل الأساس الذي يستند إليه في عالم اليوم ومن بين ابرز تلك المصادر نذكر ما يأتي :
1. اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949.
2. البرتوكول الإضافي الأول والثاني الملحقين باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1977.
3. اتفاقية لاهاي للحرب البرية .
4. النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
المبحث الثالث
الفئات المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني
إن الفئات التي تتمتع بالحماية المقررة بموجب أحكام هذا القانون تتوزع ما بين الأفراد وما بين الأعيان المدنية وكما يأتي :
المطلب الأول
الأفراد
ويمكن أن نميز بين فئتين في هذا المجال وهم كل من المدنيين والعسكريين
أولاً : المدنيون : القاعدة العامة التي تحكم هذه الفئة أن جميع المدنيون يتمتعون بالحماية الكاملة المقررة في أحكام هذا القانون ولكن هناك فئات تتمتع بحماية إضافية وهي :
![]()

![]()

![]()
ثانياً : العسكريون : والقاعدة التي تحكم هذه الفئة هي إنهم لا يتمتعون بالحماية المقررة الا في حالات استثنائية نذكر منها .
1. الأسرى و المفقودين.
2. الجرحى والمصابين إثناء العمليات العسكرية .
3. العاملين في الميادين الطبية من العسكريين .
المطلب الثاني
الأعيان المدنية
تتمتع ألاماكن ذات الطابع المدني بالحماية الكاملة وبالتالي فان أي اعتداء عليها يعد انتهاكاً حقيقياً لنصوص الحماية المقررة في هذا القانون . ويمكن أن نحدد ابرز الأعيان المدنية التي تتمتع بحماية هذا القانون بما يأتي :
1. المستشفيات والمؤسسات الصحية والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف.
2. المؤسسات التعليمية والتربوية كالمدارس والجامعات والمعاهد .
3. المؤسسات الخدمية كمحطات الكهرباء والمياه والهاتف .
4. المؤسسات الثقافية والمتاحف والمناطق الأثرية .
5. أماكن العبادة والمؤسسات الدينية .
6. الأحياء السكنية والمناطق الآهلة بالسكان .
7. السدود .
8. الملاجئ.
الفصل السادس
الجرائم الدولية
هناك من الجرائم من تبلغ حداً من الجسامة والخطورة يجعل لها وصفاً خاصاً يميزها عن سائر الجرائم الاعتيادية ، هذا النوع من الجرائم له أحكامه وأشكاله المعروفة في القانون الدولي الإنساني .
المبحث الأول
مفهوم الجرائم الدولية
الجريمة الدولية : هي تلك الجريمة الموصوفة في القانون الدولي الإنساني والتي يخضع مرتكبها للاختصاص القضائي الجنائي الدولي .
المبحث الثاني
أنوع الجرائم الدولية
يمكن أن نميز بين خمس أنواع من الجرائم الدولية والتي تعد من الجرائم الخطيرة والتي أورد النص عليها في العديد من الوثائق الدولية وكما يأتي :
المطلب الأول
جرائم الحرب
وهي تلك الجرائم التي تقع في حال إخلال الأطراف المتنازعة بقوانين الحرب أو أعرافها ، ويشترط لقيام المسؤولية عن هذه الجرائم وجود حرب بين طرفين وان يخرق احد الطرفين الأحكام القانونية الخاصة بالحرب مثل قتل الأسرى أو استخدام الأسلحة المحظورة أو قصف الأعيان المدنية .
المطلب الثاني
الجرائم ضد السلم
وهي الجرائم التي تقع في حال إخلال احد الدول بمبدأ حفظ الأمن والسلم الدوليين المنصوص عليهما في ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945. ويتم ذلك في حال تكرار قيام دولة ما بإثارة المشاكل والخلافات مع دولة أخرى مما يهدد الاستقرار بينهما بالخطر ويجعل هناك مخاطر حقيقية لنشوب نزاع مسلح ، والأمثلة على هذا النوع من الجرائم كثيرة نذكر منها التهديد بتغير مجرى النهر المشترك بين دولتين أو التهديد المستمر بشن هجمات ضد دولة معينة من قبل دولة أخرى .
المطلب الثالث
الجرائم ضد الإنسانية
وهي الجرائم التي تقع في حال قيام احد الأطراف باستخدام القوة العسكرية المفرطة بحق المدنيين والتي تنطوي على إلحاق خسائر كبيرة في الأرواح وأضرار مادية جسيمة ، مثل العمليات العسكرية التي تشن ضد المدن وتستهدف المدنيين كالقصف بالطائرات أو الدبابات أو الأسلحة الثقيلة . وتنهض مسؤولية الطرف الذي يرتكب مثل تلك الجرائم حالة في حالة وقوع مثل تلك الجرائم مع وجود إعلان رسمي عن انتهاء حالة الحرب أو في حالة عدم وجود حالة الحرب أصلاً .
المطلب الرابع
جريمة ابادة الجنس البشري
وهذه الجريمة يشترط لقيامها توفر شرطين أساسيين الأول وجود أعمال قتل منظمة ووحشية ضد مدنيين وثانيهما أن توجه تلك الأعمال ضد فئة بشرية معينة بسبب خصوصيتها العرقية أو الدينية أو غير ذلك مثل جرائم الابادة الجماعية في البوسنة والهرسك وجرائم الابادة في رواندا .
المطلب الخامس
جريمة العدوان
تقوم هذه الجريمة في حال قيام دولة باستخدام القوة العسكرية ضد دولة أخرى بشكل غير قانوني ، وهذه الجريمة تنهض لمجرد استخدام القوة العسكرية من جانب دولة ضد أخرى من دون أن يكون ذلك مستنداً إلى أسس قانونية فقيام دولة بإطلاق نيران مدفعيتها ضد دولة أخرى يجعلها مسؤولة عن ارتكاب جريمة العدوان وان لم يصاحب ذلك احتلالاً عسكرياً أو سقوط ضحايا في أوساط المدنيين .
الفصل السابع
دور المنظمات غير الحكومية في مجال حقوق الإنسان
يتزايد يوماً بعد يوم الدور الذي تقوم به المنظمات غير الحكومية في الوقت الحاضر في مجال حقوق الإنسان إلى الحد الذي أصبحت فيه تلك المنظمات هي الطرف الأكثر استحواذاً على ملف حقوق الإنسان وسنتناول بحث هذا الموضوع كما يأتي :
المبحث الأول
تعريف المنظمة غير الحكومية
المنظمات غير الحكومية هي هيئات طوعية خاصة تعمل في الميادين الإنسانية المختلفة من دون أن يكون الهدف من وراء نشاطها تحقيق الربح المادي . وتسمى هذه المنظمات بالمنظمات غير الرسمية أو غير الربحية أو الطوعية كما تسمى بالمنظمات الأهلية وهذه المنظمات منها وطنية ومنها إقليمية ومنها دولية .
المبحث الثاني
تعريف منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية
إن منظمات حقوق الإنسان هي هيئات خاصة طوعية تعمل في احد ميادين حقوق الإنسان المختلفة ، تسعى من خلال عملها إلى النهوض بواقع حقوق الإنسان وتطوير الميادين التي تعمل فيها .
المبحث الثالث
أنواع منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية
تنقسم المنظمات غير الحكومية العاملة في ميدان حقوق الإنسان إلى قسمين أساسيين :
المنظمات العامة العاملة في مجال حقوق الإنسان : وهذه المنظمات تجعل من مختلف ميادين حقوق الإنسان محوراً لعملها فهي تعمل في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ..
المنظمات الخاصة العاملة في مجال حقوق الإنسان : وتنشط هذه المنظمات في احد الميادين التي تخص حقوق الإنسان فبعضها ينشط في مجال حقوق الطفل أو المرأة أو البيئة أو الحقوق السياسية وهكذا تختار كل منظمة من تلك المنظمات ميداناً محدداً تنشط فيه .
المبحث الرابع
نشاط المنظمات غير الحكومية في مجال حقوق الإنسان
تتنوع الأدوار التي تؤديها المنظمات غير الحكومية في مجال حقوق الإنسان وتتخذ أشكالاً مختلفة تدور ما بين نشر ثقافة حقوق الإنسان والتوعية بها أو الدفاع عنها أو المساهمة في صياغة القوانين المنظمة لها أو أن تساهم في تعزيز تلك الحقوق أو أن تمارس دورهم الأهم في رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان .
المطلب الأول
نشاطها في مجال نشر ثقافة حقوق الإنسان
تنشط المنظمات غير الحكومية في ميدان التوعية والتثقيف بأهمية احترام حقوق الإنسان وتعد تلك المنظمات برامجها الخاصة التي تهدف من ورائها إلى أن تحمل الأطراف كافة سواءً الدول أو الأفراد على الالتزام بالمعايير القانونية الخاصة بتلك الحقوق ، ويتوزع نشاط تلك المنظمات ما بين عقد الندوات التثقيفية وإقامة الدورات التدريبية وورش العمل الميدانية الخاصة بحقوق الإنسان ونشر المطبوعات والملصقات وتوزيع الكراسات التوضيحية وعقد المؤتمرات وإقامة الشراكات مع الأطراف الأخرى .
المطلب الثاني
نشاطها في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان
تمارس المنظمات غير الحكومية دورها في عملية الدفاع عن حقوق الإنسان عبر نشاطاتها المختلفة التي تقيمها لمناهضة الأطراف المنتهكة لتلك الحقوق وفضح صور الانتهاكات التي تقع ومحاولة الدفاع عن ضحايا تلك الانتهاكات ، وهي في سبيل ذلك تعمل على ممارسة دورها في تفعيل دور المؤسسات كافة وخاصة مؤسسات المجتمع المدني لممارسة الضغط والتأثير تجاه الحكومات والمجتمع الدولي لحملها على الحد من الانتهاكات التي تقع ضد تلك الحقوق .
المطلب الثالث
دورها في مجال تقنين حقوق الإنسان
التقنيين هي عملية تحويل المبادئ والأحكام العامة غير القانونية إلى قوانين ، و للمنظمات غير الحكومية دورها في هذا المجال عبر مساهمتها في عملية الصياغة والإعداد للعديد من الوثائق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان ، وكان لها دور اكبر في حمل المجتمع الدولي على إقرار الكثير من المبادئ والأحكام العامة كقوانين والنص عليها في العديد من المواثيق الدولية ، ومن هنا نجد الآثار الواضحة لتلك المنظمات في ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1949 وفي العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية وبالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966والعديد من الوثائق والنصوص الأخرى .
المبحث الرابع
دورها في مجال تطوير وتعزيز حقوق الإنسان
كما مارست هذه المنظمات تأثيرها في إنجاح الجهود الرامية إلى تطوير وتعزيز حقوق الإنسان وتفعيل هذه الحقوق بالشكل الذي أورده ميثاق الأمم المتحدة وبما ينسجم مع احد المقاصد الأساسية لذلك الميثاق ، وبالتالي فقد أقامت منظمة الأمم المتحدة مع تلك المنظمات شراكات دائمة ومستمرة من اجل تدعيم هذا المبدأ وتطويره ، وأصبحت تلك المنظمات تشارك في المؤتمرات العالمية التي تقيمها المنظمة الدولية والتي أصبحت تدرك انه لا يمكن إنجاح أي جهد في مجال حقوق الإنسان بغير الاستعانة بجهود تلك المنظمات .
المبحث الخامس
دورها في مجال رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان
وكان الدور الأبرز والأكثر أهمية لتلك المنظمات هو دورها الفاعل والمؤثر في مجال رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان ، هذا الميدان يعد الميدان المباشر لعملها حيث تمتاز تلك المنظمات بالمرونة في الحركة والقدرة على الوصول إلى الانتهاكات بسهولة ويسر وأثبتت تلك المنظمات نجاحها في فضح أشكال مختلفة من الانتهاكات بعد أن قامت برصدها وتوثيقها ، والرصد هي عملية مراقبة ومتابعة الانتهاكات بشكل قانوني ووفق سياقات معتمدة قانونية تمارس من قبل أعضاء تلك المنظمات ، أما التوثيق فهي عملية جمع الأدلة والوثائق القانونية التي تخص قيام احد الأطراف أو الجهات بانتهاك حق من حقوق الإنسان .
القسم الثاني
حقوق الانسان في الإسلام
إن التطور الهائل الذي نشهده الآن فيما يتعلق بتعزيز حقوق الانسان إيجاد السبل المتناسبة لضمان الاحترام الواجب لها، هو نتاج تفاعل نوعين من الأفكار: أولهما، الأفكار السامية التي جاءت بها الأديان السماوية، والتي حثت على وجوب احترم حقوق الأفراد جميعا وعلى قدم المساواة ودونما تفريق بينهم على أساس الانتماء الديني أو العرقي أو بسبب الاختلاف في النوع أو اللغة، أو أي اعتبار آخر. وثانيهما، الأفكار التي تمثل خلاصة فكر واجتهادات الباحثين والمفكرين والفلاسفة على امتداد التاريخ الانسان وعبر الحضارات والثقافات الإنسانية المختلفة، ولما كانت رسالة الإسلام هي الرسالة الخاتمة لكل الرسالات السماوية، فضلاً عن كونها رسالة عالمية شاملة.
مقدمة في الإسلام وحقوق الانسان
كانت الأديان السماوية- اليهودية والمسيحية والإسلام- أول من وضع الأساس الفكري أو النظري لحقوق الانسان. فهذه الأديان هي التي حثت أتباعها على احترام حقوقهم المتبادلة، وعلى عدم التمييز في المعاملة فيما بينهم. بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا، بأن الأفكار الدينية كانت بمثابة "المبادئ الاسترشادية" التي سارت على هديها العديد من الوثائق السياسية والنصوص القانونية فيما بعد. ويمكن معالجة موقف الإسلام من حقوق الانسان من خلال التركيز على مداخل رئيسية أربعة نعرض لها فيما يلي:
الفصل الأول
الإسلام والإنسان بصفته فرداً
الأصل في الإسلام أن الانسان له مكانة خاصة يتقدم بها على الكثير من
مخلوقات الله تعالى. وهذا المعنى هو الذي تشير إليه الآية الكريمة:
ولقد كرمنا
بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا
تفضيلاً
وقد نظر الإسلام إلى الانسان الفرد نظرة مزدوجة: فهو من ناحية، يعتبر وحدة فريدة ومتميزة، أي هو في ذاته كل واحد. ولكن- من ناحية ثانية-اعتبر الإسلام هذا الفرد جزءاً أصيلاً من كيان مركب هو الجنس البشرى.
وانطلاقاً من هذه النظرة المزدوجة، يعتبر الفرد في الإسلام أهم وحدة في الكون، وهو لذلك، يولد حراً ومتمتعاً بكامل الحق في الاختيار، ولا ينبغي إجباره أو حمله قسراً على القيام بتصرف معين إلا في حدود مقتضيات النظام العام الذي يقوم عليه بنيان المجتمع. ومن أجل ذلك أيضاً لم يفرق الإسلام بين الفرد المسلم والفرد غير المسلم الذي يعيش في كنف الدولة الإسلامية فيما يتصل بالحقوق الأساسية للمواطنة، ومن أمثلتها: الحق في حماية الحياة والشرف والملكية، حرية الفكر والتعبير والمعتقد، الحق في التنقل داخل أقاليم الدولة، الحق في التمتع بحرية التجمع والاجتماع، الحق في ممارسة العمل المناسب،...
الفصل الثاني
الإسلام وعلاقة الفرد بالدولة.
يمثل فهم موقف الإسلام لمسألة علاقة الفرد بالدولة التي يعيش في كنفها أو ينتمي إليها برابطة الجنسية، أحد المداخل المهمة للوقوف على كنه التصور الإسلامي لحقوق الانسان.
إن الأصل الذي تبنى عليه هذه العلاقة بحسب التصور الإسلامي- يتمثل في مبادئ الحرية والعدالة والتضامن، أما مبدأ الحرية، فمؤداه أن الأفراد الأحرار وغير المكبلين بالقيود هم فقط القادرون على الدفاع عن كيان المجتمع، وأن هذه الحرية- وما ينبثق عنها من حريات أخرى فرعية- هي جزء أساسي بالنسبة إلى هيكل النظام العام، فضلا عن كونها تشكل مدخلاً هاما لتحقيق رفاهية الجماعة، وأما مبدأ العدالة، فمؤداه أن كل الناس متساوون عند الله. أما بشأن مبدأ التضامن أو الأخوة، فكما أن الفرد مسئول أو راع في نطاق عمله وأسرته- وبحسب ما ورد في الحديث الشريف- فإن المجتمع بدوره مسئول عن توفير الظروف المواتية التي تكفل لهذا الفرد التمتع بمجمل الحقوق والحريات الأساسية التي ينبغي أن يتمتع بها كل فرد يعيش في جماعة منظمة.
وفى عبارة أخرى، أن علاقة الفرد بالدولة أساسها المسئولية الاجتماعية المشتركة والتي قوامها: أن المجتمع لا يشكل بأي حال وحدة مستقلة عن الفرد، وأن هذا الفرد هو عنصر مهم في المجتمع وقائد فيه في الوقت ذاته
الفصل الثالث
الإسلام وحقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية:
أول ما يلاحظ بشأن حقوق الانسان غير المسلم في إطار الدولة الإسلامية أن الإسلام قد وضع عدة مبادئ حاكمة، يمكن إيجاز أهمها فيما يلي:
فأولاً، هناك المبدأ الذي يقضى بأن كل الذين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية من غير المسلمين يحق لهم التمتع بكل الحقوق والحريات المكفولة للمسلمين وبدون أي تمييز بسبب العرق أو الدين أو الأصل الوطني. ولا يستثنى من نطاق هذه الحقوق إلا تلك التي تتعلق بالولاية القضائية.
وثانياً، هناك المبدأ الذي يكفل لغير المسلمين التمتع بالحق الكامل في المساواة مع مواطنيهم من المسلمين أمام القانون، ومعنى ذلك، أن غير المسلمين ممن يعيشون كمواطنين في الدولة الإسلامية ليسوا خارج نطاق الولاية القضائية لهذه الدولة،
وثالثأ، هناك المبدأ الذي يقضى بأن غير المسلمين الذين يعيشون في كنف هذه الدولة يتمتعون بكامل أهليتهم القانونية كمواطنيهم من المسلمين سواء بسواء، والواقع، أن هذا المبدأ هو الذي استرشدت به الدساتير الحديثة في الدول عامة عندما حرصت على النص بوضوح على أن جميع مواطني الدولة متساوون أمام القانون.
وكما تقدم، تعتبر حرية ممارسة الشعائر الدينية، ومسائل الأحوال الشخصية، وحماية الحق في الحياة وفى التملك وفى العمل من أهم الأمثلة على حقوق الانسان وضماناتها التي كفلها الإسلام لمواطني الدولة التي ترفع لواءه وتعلو فيها كلمته، لا فرق فى ذلك بين المسلمين منهم وغير المسلمين.
الفصل الرابع
حقوق الانسان في التصور الإسلامي، دراسة لبعض التطبيقات:
من الضروري الإشارة إلى أن ما تضمنته الاتفاقات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الانسان من مبادئ وأحكام فيما يتعلق بهذه الحقوق، لا يعتبر تطوراً مستحدثاً. فالثابت، أن الفكر الإسلامي قد سبق كل هذه المواثيق والاتفاقات الدولية وقدم تصوراً متكاملاً لحقوق الانسان وحرياته الأساسية.
ومن أهم هذه الحقوق ما يلي:
أ- كفالة حق الانسان في الحياة:
يعتبر حق الانسان في الحياة من أثمن الحقوق التي شدد عليها الإسلام. ولعل من أبرز مظاهر ذلك ما يلي:
- تحريم القتل تماماً بدون وجه حق، وذلك مصداقاً لقوله تعالى:
ولا تقتلوا
النفس التي حرم الله إلا بالحق
- تغليظ العقوبة التي يجب توقيعها على من يرتكب جريمة القتل دون وجه حق.
فقد جعل الإسلام عقوبة من يرتكب هذه الجريمة هى القصاص منه هو نفسه، وذلك مصداقاً
لقوله تعالى:
كتب عليكم
القصاص في القتلى
وقوله جل
شأنه:
من قتل نفساً
بغير نفس أو فساد في الأرض فإنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس
جميعاً
وكذا قوله
تعالى:
وكتبنا عليهم
فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن،
والجروح قصاص...
. كذلك، فإن
من مظاهر تشديد الإسلام على كفالة حق الانسان في الحياة، أن هذا الحق يمتد ليشمل
الأبناء حتى من قبل أن يولدوا، وذلك مصداقاً لقوله تعالى:
ولا تقتلوا
أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقهم وإياكم...
، وقوله جل
شأنه:
ولا تقتلوا
أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم ...
-أن تحريم القتل لا ينصرف بحسب المفهوم الإسلامي إلى قتل الغير فحسب،
دائما ينصرف أيضاً إلى قتل الانسان نفسه بنفسه، وذلك امتثالاً لقول الله تعالى:
ولا تقتلوا
أنفسكم...
ولقول الرسول
صلى الله عليه وسلم:
من قتل نفسه
بحديده، فحديدته في يده يتوجا بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً.
ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. ومن
تردى من جبل فقتل نفسه فهو متردٍ في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً
.
وهكذا، فقد أحاط السلام حق الانسان في الحياة بكل الضمانات الواجبة التي تحميه، وباعتبار هذا الحق لا يهم الفرد نفسه فحسب وإنما يهم أيضاً المجتمع برمته.
ب- الحق في الأمان والطمأنينة:
لم يقف التصور الإسلامي لحقوق الانسان عند حماية حق كل فرد في الحياة، بل
تعدى ذلك إلى التأكيد على وجوب أن تكفل لهذا الفرد الحياة والعيش في أمن وأمان،
وبحيث لا يكون قلقاً على حاضره ومستقبله. ولعل الخطبة الجامعة التي ألقاها الرسول
صلى الله محليه وسلم في حجة الوداع تحمل معان سامية فيما يتصل بهذا الحق. فقد أكد
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذه الخطبة- ومخاطباً المسلمين جميعا- على:
إن دماءكم
وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا...
.، وكذا قوله
صلى الله عليه وسلم في موضع أخر:
كل المسلم على
المسلم حرام دمه وماله وعرضه
. ولكفالة هذا
الحق في الحياة في أمن وطمأنينة، كان طبيعياً أن ينص الإسلام على الضمانات الواجبة
لممارسة هذا الحق. ومن أمثلة هذه الضمانات:
- تجريم السرقة لما فيها من اعتداء على أمن الفرد وطمأنينته، خاصة وأنها من نوع الجرائم التي تتم عادة في الخفاء وتحمل في طياتها طابع الخيانة والغدر.
- تشديد العقوبة على كل من تسول له نفسه إثارة الرعب في قلوب الأفراد،
فجعل جزاءهم هو ما اشتملت عليه الآية الكريمة:
إنما جزاء
الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً، أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع
أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة
عذاب عظيم ![]()
تعظيم حرمات الأفراد وأعراضهم. ومن ذلك مثلاً: تحريم الزنا وتشديد العقوبة عليه
وبالذات في حالة المحصن، وذلك لما فيه من مساس بأمن الناس على أعراضهم. ومن أمثلة
تعظيم هذه الحرمات أيضاً، التأكيد على خصوصية الحياة الخاصة لكل فرد وحرمة مسكنه.
وفى هذا الإطار، نهى الإسلام أتباعه عن تتبع عورات بعضهم بعضاً، كما نهى عن سوء
الظن وعن التجسس والغيبة، كما نهى عن دخول بيوت الغير بدون استئذان، وذلك مصداقاً
لقوله تعالى:
يا أيها الذين
آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها
.
ج- الحق في كفالة حرية العقيد" وممارسة الشعائر الدينية:
يمثل الحق في حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية لكل أفراد
المجتمع، والذي تؤكد عليه اليوم المواثيق والاتفاقات الدولية، مبدأ حاكماً في
الشريعة الإسلامية، وذلك امتثالاً لقوله تعالى:
لا إكراه في
الدين، قد تبين الرشد من الغي...
، وكذا قوله
جل شأنه:
ولو شاء ربك
لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين
، وأيضاً قوله
سبحانه:
ما على الرسول
إلا البلاغ
.
وإعمالاً لهذه القاعدة، ترك الإسلام الحق كاملاً لكل إنسان في أن يعتنق مايشاء من العقائد وأتاح له كل الضمانات التي تكفل التمتع بحق ممارسة العقيدة التي يختارها بإرادته الحرة. ومؤدى ذلك، أن الإسلام نظر إلى حرية العقيدة باعتبارها مسألة شخصية بالدرجة الأولى. ولا ينال من هذا الحق ما قد يراه البعض من أن الإسلام قد ألزم أتباعه بواجب الدعوة، بمعنى دعوة غير المسلمين لاعتناق الدين الإسلامي وترك معتقداتهم السابقة، فالصحيح، أن مثل هذه الدعوة تتم بالحسنى ودونما ضغط أو إكراه مادي أو معنوي، وبحيث إذا تمسك أصحاب المعتقدات الأخرى بمعتقداتهم وأبوا الدخول في الإسلام فإن ذلك لا يجب أن يكون مدعاة للافتئات على حقوقهم سواء باعتبارهم مواطنين يعيشون في كنف الدولة الإسلامية أو أجانب يقيمون على أرضها بصفة مؤقتة.
وتأسيساً على ذلك، فقد أصبح لغير المسلمين في الدولة الإسلامية الحق في أن يمارسوا شعائرهم الدينية وأن يعلنوا عن معتقداتهم وأن تكون لهم دور العبادة الخاصة بهم التي توفر لها الدولة الاحترام الواجب، كل ذلك بالطبع في الحدود التي لا تتعارض مع مقتضيات حماية المصلحة العامة للمجتمع.
د- حرية الرأي والتعبير
تدخل حرية الرأي والتعبير هذه أيضاً ضمن نطاق الحقوق والحريات الأساسية للإنسان. وقد كان للإسلام فضل كبير في التأكيد على أهمية هذه الحرية وفى لزوميتها للإنسان باعتباره فرداً يعيش في جماعة منظمة.
ولم تكتف الشريعة الإسلامية باعتبار حرية الرأي والتعبير حقاً أصيلاً من
حقوق الانسان، وإنما اعتبرتها أيضاً أحد الواجبات الأساسية التي يتعين على الفرد
المسلم الاضطلاع بها. فالمسلم ليس حراً في أن يمارس حريته في إبداء الرأي أو لا
يمارسها، وإنما هو ملزم بذلك كأصل عام طالما اقتضى الأمر ذلك. فالساكت عن الحق- أي
عن قول الحق- هو في نظر الشريعة شيطان أخرس. والآيات القرآنية الدالة بوضوح على هذا
المعنى كثيرة، نذكر منها مثلاً: قوله تعالى:
ولتكن منكم
أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
، وقوله جل
شأنه:
الذين إن
مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهو عن المنكر
، كما حث
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المسلمين على ممارسة حقهم في التعبير وفى إبداء
الرأي، ودعاهم إلى عدم التردد في المجاهرة بآرائهم وبأن لا يكون الواحد منهم "يقول:
أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وان أساءوا أسأت... "
على أن الإسلام في حرصه على وجوب ممارسة حرية الرأي والحق في التعبير، شدد في الوقت ذاته على بيان أن مثل هذه الممارسة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مطلقة من كل قيد أو بدون أية ضوابط. فحيث أن الفرد لا يعيش في جزيرة معزولة وإنما يعيش في جماعة ويتفاعل مع بقية الأفراد الآخرين فيها، لذا فمن المنطقي أن تكون حرية كل واحد منا في إبداء الرأي والتعبير عن فكره مقيدة بقيود منها مثلاً: وجوب ألا يكون الفرد في ممارسته لهذه الحرية متجاوزاً أو مغتصبا لحقوق الآخرين وحرياتهم. ووجوب ألا تكون ممارسة الحرية المذكورة سلاحاً لهدم بنيان المجتمع وتقويض الأسس التي يقوم عليها أو النيل- عن عمد- من القيم الأخلاقية السائدة والدعوة إلى شيوع الفاحشة بين الناس.
وما يصدق على موقف الإسلام من حرية الرأي والتعبير، يصدق أيضاً على حرية الفكر والاجتهاد. فقد حث الإسلام أتباعه على أهمية التدبر والتفكير في كل ما حولهم، بل إنه اعتبر أن التفكير دليل على صحة العقل وأن من يعطلون ملكة التفكير التي أودعها الله تعالى فيهم إنما هم كالأنعام بل أضل. وعلى ذلك، فإن التفكير- في المنهج القرآني- إنما هو سابق على العمل.
ومما يدلل على أهمية حرية الفكر ومبدأ الاجتهاد بالرأي في التصور الإسلامي، حقيقة أن الإسلام قد جاءت بعض أحكامه عامة تاركة التفاصيل لتطور المواقف والأحوال. وإزاء سكوت النصوص الشرعية- القرآن الكريم والسنة المطهرة- عن معالجة الجزئيات المتعلقة ببعض أمور المعاملات، كان من الطبيعي أن يقوم فقهاء المسلمين باستنباط الأحكام ذات الصلة بهذه الجزئيات مستلهمين في ذلك ما ورد في هذين المصدرين الرئيسيين من أحكام ومبادئ عامة.
هـ- حرية التعليم والتعلم:
اعتبر الإسلام أن طلب العلم فريضة على كل مسلم. كما وردت آيات قرآنية كريمة متعددة تشدد على فضل العلم والعلماء، وعلى أن العالم لا يمكن أبداً أن يتساوى مع الجاهل، وأن عالماً واحداً هو أشد على الشيطان من ألف عابد.
ولتعميم الحق في التعلم وإتاحة الفرصة للتعليم، أناط الإسلام بالدولة الإسلامية مسئولية أن تهيئ كل الفرص الممكنة لمواطنيها لتلقى العلم، كما حملها مسئولية نشر العلم والقيام على أمره وتمكين جميع المواطنين منه. وقد بلغ اهتمام الإسلام بالعلم وحرصه على تعميمه، أن جعل إحدى الوسائل المؤدية إلى الإفراج عن الأسرى قيام كل واحد من المتعلمين منهم بتعليم عدد من أبناء المسلمين .
وعلى ذلك، فإن الإسلام باهتمامه بالتعليم وبتشديده على وجوب تمتع أتباعه بحرية التعليم، يكون قد سبق كل المواثيق والاتفاقات الدولية المتعلقة بحقوق الانسان التى تتحدث اليوم عن الحق في التعلم.
ز- حق العمل والحق في تولى الوظائف العامة:
كفل الإسلام الحق في العمل وفى تولى الوظائف العامة في الدولة الإسلامية لجميع الأفراد الذين يعيشون في كنف هذه الدولة، ودونما تفرقة أو تمييز بينهم لأي اعتبار كان اللهم إلا اعتبار الكفاءة والاقتدار والنزاهة. ومؤدى ذلك، أن لكل فرد الحق في اختيار نوع العمل الذي يتفق وميوله وقدراته. والمبدأ العام، في هذا الخصوص، هو تكافؤ الفرص بين الجميع، بمعنى أنه ليس ثمة ما يبرر لأحد من الناس أو لطائفة منهم احتكار وظائف أو أعمال بعينها وقصرها عليهم وحدهم.
وقد عبر الرسول الكريم صلى الله عليه
وسلم عن مبدأ تكافؤا الفرص على أساس من الكفاءة والاقتدار بقوله:
من ولن من أمر
المسلمين شيئاً فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح، فقد خان الله ورسوله
. كما اعتبر
الرسول الكريم أن العمل الشريف هو أفضل شيء يجلب الرزق الحلال للإنسان، فقد ورد في
الحديث، أنه:
ما أكل أحد
طعاما قعد خيراً من أن يأكل من عمل يده، وأن نبي الله داوود عليه السلام كان يأكل
من عمل يده
.
ومما تجدر الإشارة إليه أيضاً، في هذا الخصوص، أن الإسلام في تشديده على قيمة العمل وعلى وجوب إتاحة الفرص المتكافئة أمام جميع أبناء المجتمع، لم يميز بين الرجل والمرأة سواء فيما يتصل بحق العمل أو فيما يتعلق بفرصة تولى الوظائف العامة، إلا في أضيق الحدود وبما يحترم الفروق الخاصة بينهما.
كما تجدر الإشارة كذلك، إلى أن الإسلام لم يكتف باعتبار أن العمل حق مقدس لا فرد يعيش في إطار الدولة الإسلامية، وإنما غنى أيضاً بتحديد الضمانات اللازمة لحماية هذا الحق وتنظيم ممارسته وفقاً لمعايير عادلة وإنسانية. ومن أمثلة هذه الضمانات: النهى عن اللجوء إلى السخرة وفرض العمل القسري على أي فرد، والحث على إعطاء العمال أجورهم دون إبطاء وقبل أن يجف عرقهم، والتأكيد على توفير معاملة عادلة وإنسانية من جانب أصحاب العمل للأفراد الذين يعملون تحت إمرتهم.
* نائب رئيس الهيئة الادارية
للمنظمة الاسلامية لحقوق الإنسان
المنظومة القانونية لحماية حقوق الإنسان
* أ.وسام نعمت السعدي
لقد ارتبطت حركة حقوق الإنسان العالمية بسلسلة طويلة من التشريعات الوطنية والإقليمية والدولية ،هذه الوثائق التشريعية باتت تشكل نسيجاً متماسكاً ونظاماً متداخلاً يصعب الفصل ما بين عناصره ، حتى أن الوثائق التشريعية الخاصة بحقوق الإنسان على اختلاف أشكالها أصبحت تتسم بما يأتي:
1. التكامل: حيث أصبحت المنظومة القانونية الدولية مكملة للتشريعات الوطنية ومتممة لها.
2. الانسجام: ذلك لان تلك الوثائق تحمل من التنسيق والتنظيم ما يكفي لوصفها بأنها منسجمة مع بعضها مع استبعاد عناصر التضارب والتعارض فيما بينها.
3. التطور: لان التشريعات الخاصة بحقوق الإنسان وعلى اختلاف المستويات التي تتعامل معها تشكل منظومة متطورة من الحقوق في مجالات عدة منها التطور في الصيغ التشريعية التي تحملها ،والتطور في الأطر الفكرية التي تتناولها وفي المنهجية العلمية المعاصرة التي تتسم بها ، وهي في الوقت نفسه تعد تشريعات قابلة للتطور لأنها تملك من عناصر المرونة والتغيير ما يكفي لجعلها متلائمة مع التطورات العالمية التي تشهدها المجتمعات الإنسانية.
4. التنوع والثراء: يكاد يتفق المهتمين في مجال دراسات حقوق الإنسان بان المنظومة الحقوقية المعاصرة لحقوق الإنسان تمتاز بتنوعها وهذا التنوع يرجع إلى الأنواع الكثيرة التي تنطوي عليها تلك الحقوق وان كل حق قد ينقسم ويتوزع ما بين حقوق أخرى وهكذا فان الحاجة إلى تنظيم تلك الحقوق من خلال التشريعات القانونية الملائمة يستتبع ذلك وجود تشريعات ونصوص قانونية كثيرة جداً تكون أساساً للتنوع الخاص بتلك الحقوق ، وان منظومة حقوق الإنسان الحقوقية تتسم بالثراء في مجالات عدة منها الثراء المعرفي بعد أن أصبحت ميادين حقوق الإنسان المختلفة تؤلف مجتمعة علماً له أركانه وعناصره ومصادره وميادينه الواسعة وآفاقه الرحبة حتى أن الدراسات التي أصبحت تتناول بعض الحقوق أصبحت تقدم لنا نماذج واضحة ودقيقة من مفردات علمية تمتاز بالثراء المعرفي بكل معطياته.
مفهوم المنظومة القانونية لحقوق الإنسان
بات مفهوم المنظومة القانونية لحقوق الإنسان متداولاً على مختلف الصعد الوطنية والإقليمية والدولية وأصبح متعارفاً على مضامينه لدى الكتاب والشراح والمفكرين ويمكننا القول بان مصطلح ” المنظومة القانونية لحقوق الانسان” يشير إلى : (مجموعة القواعد القانونية(المكتوبة والعرفية) الدولية والإقليمية والوطنية المقررة لحماية أو تعزيز أو تطوير أو إقرار حق من حقوق الإنسان).
مفهوم المنظومة الدولية لحقوق الإنسان
لقد قطعت المجتمعات الإنسانية شوطاً مهماً في تقنيين الأعراف والتطبيقات القضائية والوقائع العملية وتمكنت من تكريس تجاربها وتنظم جهودها وتحدد معالم نظام قانون خاص بحقوق الإنسان في نصوص قانونية دولية تعالج شتى مجالات الحقوق الإنسانية الجوهرية ، وفي هذا الإطار يمكننا القول بان المنظومة الدولية لحقوق الإنسان تعني:(مجموعة الوثائق الدولية التي أنتجتها إرادة أطراف المجتمع الدولي والمنظمة للجوانب المختلفة المتعلقة بحقوق الانسان ).
وقد ساهمت هذه المنظومة في تأصيل الكثير من المفاهيم الحقوقية وتامين النظام الكفيل بحمايتها وأوجدت أجهزة متخصصة تعمل على رعاية تلك الحقوق وتعزيزها وتطويرها، وأصبحت نتاجات تلك الأجهزة والمؤسسات الحقوقية مصدراً مهماً من مصادر القانون الدولي لحقوق الإنسان وضمانة حقيقية لتفعيل بنود ذلك القانون.
ويمكننا تعريف القانون الدولي لحقوق الإنسان بأنه:( مجموعة القواعد القانونية الدولية المقررة لحق من حقوق الإنسان والضامنة له والمنظمة للآليات استخدامه وقت السلم ).
أما القانون الدولي الإنساني فانه يشير إلى: (مجموعة القواعد القانونية التي تحكم سلوك أطراف الصراع المسلح والتي تنظم أحكام الحماية الدولية المقررة لبعض الفئات ولبعض الأعيان المدنية ويوجب احترامها أثناء الحروب والصراعات المسلحة ).
مبدأ المشروعية
يعني هذا المبدأ في الإطار القانوني تدرج القوانين وعدم جواز مخالفة القانون الأدنى للقانون الأعلى ، وعلى هذا الأساس لا يجوز للقوانين الوطنية أن تتعارض مع القوانين الدولية، ولا يجوز لأحكام القوانين العادية أن تتعارض مع أحكام القانون الدستوري وهكذا الأمر مع سائر لقوانين الأخرى. أما الجزاء الذي يترتب على الإخلال بهذا المبدأ فانه يتمثل باعتبار أي تصرف خارج إطار المشروعية باطل وغير منتج لأي اثر.
المنظومة الوطنية لحقوق الإنسان
لقد انتقلت قضايا حقوق الإنسان وحرياته الأساسية من حيز التنظير الفقهي والدراسة الفلسفية والأطر الفكرية والمثالية إلى عالم التشريع وأصبحت تلك الحقوق معالجة في أكثر من تشريع في كل دولة وبات دستور كل دولة من الدول يضم في ثناياه تعريفاً بتلك الحقوق وبياناً للآليات الدستورية التي تكفل حمايتها وأصبحت القوانين الوطنية تضم في ثناياها مبادئ وقواعد أساسية تعالج الحقوق الجوهرية للإنسان،إن المنظومة الوطنية لحقوق الانسان تشير الى مجموعة القوانين الوطنية النافذة التي تعالج قضايا مختلفة تخص حقوق الانسان والتي تشكل في مجموعها نظاماً متجانسا ونسيجاً متماسكاً يمثل نظام حاكماً لاوضاع حقوق الإنسان في دولة ما.
الحماية الدولية لحقوق الإنسان
تعني الحماية الدولية لحقوق الانسان : "مجموعة الآليات القانونية الدولية التي تكفل الوصول الى عدم الاخلال بالاوضاع القانونية السليمة والمحافظة على الشكل الامثل للحقوق وفقاً للمبادئ المقررة بمقتضى المواثيق والاعلانات الدولية".
الأثر القانوني لصكوك قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني
قد يلاحظ ناشطو حقوق الإنسان اختلاف الأسماء التي تطلق على المعاهدات المتعددة الأطراف، مثل الميثاق والعهد والاتفاقية والبروتوكول.وهذه كلها معاهدات بين الدول تحمل التزامات ملزمة من الناحية القانونية.وباستثناء ميثاق الأمم المتحدة الذي، بموجب المادة 103، ينبغي تغليبه في حالة التضارب مع معاهدة أخرى، تتمتع جميع المعاهدات الأخرى بنفس الأثر القانوني. ويستخدم مصطلح "البروتوكول" للدلالة على معاهدة متعددة الأطراف توسع أو تعدل أثر الاتفاقية أو العهد أو معاهدة أخرى يرتبط بها.
ويشار إلى