مقـــــــالات


                                         نحو منهجية إسلامية لحقوق الإنسان

 

 


                                  الحرية بين الإطلاق والتقييد

 

 

 


    حقوق الإنسان.. لماذا؟

 

 

 


 

            "التعذيب والمعاملة القاسية وغير الإنسانية"    قراءة حقوقية في أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان

 


    الحماية الدولية للمدنيين في منظور القانون الدولي الإنساني

 

                                                                                                                                                                                                                           


     الحماية الدولية للجامعات والمؤسسات العلمية :  

     تزخر قواعد القانون الدولي العام بالعديد من النصوص الدولية المقررة لحماية الجامعات وسائر المؤسسات التربوية والتعليمية ، هذه الحماية مقررة استناداً إلى العديد من المعطيات القانونية والمبررات .. اقرأ    المزيد                                                                                               


   القوات المتعددة الجنسية والتزاماتها الدولية:

   يتحدث البعض عن حصانات تتمتع بها القوات المتعددة الجنسية وعن إعفاءات قضائية عن جرائم قد تقترف فوق الأقاليم التي تمارس عملها فيها، ويحاول البعض التسويق .. اقرأ المزيد

 

 

 


     ما هي حقوق الإنسان?:

    - حقوق الإنسان مصطلح واسع الانتشار والتداول في وسائل النشر المسموعة والمقروءة والمرئية، إلا انه غالباً ما يفسر تفسيرات سطحية وغير دقيقة أو يستخدم لأغراض سياسية، خاصة في ظل ثقافة العولمة.. . اقرأ المزيد

 

 

 


   انسانية الاقوى :

  غريب ان لا يجرح العراق .. وغريب أن لا تنتهك الإنسانية في العالم اجمع ، حيث يغيب القانون وينصب الأقوى نفسه وصياً على إنسانية الغير .. الغير في كل شئ ، قوةً وإنسانية وأهمية .. هو غير . ويمارس الاقوى وصايته التي يرسمها عبر لوحة نفطية او إرهابية او توازنية او حتى تصحيحية لحركة الكون  ومساره كما يراه هو..  اقرأ المزيد ..

 

 


 احترام المعتقد الديني والسياسي للمريض في السلم والحرب:

  الواجبات التي اوجبها الاسلام على الاطباء احترام المعتقدات الدينية والسياسية للمرضى ، وعدم التطرق اليها او النيل منها او معارضتها من ناحية العلاج الا في حالات ضرورية قصوى فيها مصلحة المريض الصحية ..        اقرأ المزيد

 

 


 

        نحو منهجية إسلامية لحقوق الإنسان

                       

 

     *   وسام نعمت السعدي

تزايد الاهتمام بدراسة حقوق الإنسان في الإسلام منذ أن برز مصطلح حقوق الإنسان على صعيد التداول الوطني والإقليمي والعالمي ومنذ أن بدأ الغرب ينسب لنفسه الأسبقية في التأسيس لهذا الميدان، وكانت في المقابل الكثير من الأقلام المنصفة قد انبرت لتوضح الحقائق وتكشف النقاب عن الكثير من الافتراءات،ولكن وعلى الرغم من كل ما تقدم بقي الجهد مشوباً بالكثير من الأخطاء ويفتقر إلى الكثير من المنهجية العلمية والعقلية الأكاديمية في محاكاة الأشياء والرد عليها،حيث أن الكثير مما كتب حول حقوق الإنسان في الإسلام كان لا يعد أن يكون مجرد استعراض تاريخي واستقراء للتاريخ الإسلامي يخلو من أي إسقاطات معاصرة على الواقع،في الوقت نفسه كان هناك من ركز في نشاطه العلمي على الرد على الشبهات التي بدأت تثار حول مدى توافر منظومة حقوقية تكفل للإنسان حقوقه في ظل تعاليم الإسلام،وجانب أخر من الكتاب بدأ يسير في ركب المنظومة القانونية لحقوق الإنسان ليثبت أنها لا تختلف كثيراً عن منظومتها في الفكر الإسلامي. وأياً كان الأمر فان الحلقة المفقودة التي كان من الضروري على الجميع البحث عنها هي فهم المنهجية الإسلامية المتعلقة بحقوق الإنسان والتي يمكن من خلالها تفسير الكثير من القضايا وتوضيح معظم الإشكاليات والتعامل معها بروح العصر وبمقدار من المرونة والحكمة تجعلنا قادرين على أن نقدم للآخرين نموذجنا الحقوقي الخاص بنا دون أن نتهم بأننا مقلدين أو أننا نحاول أن نرد على ما قاله الآخرون.

وإذا كانت النظرية العامة للحق في الفقه الإسلامي تعد من أبدع وأروع ما قدم في هذا المجال وان الغرب لا يملك أن يقدم دليلاً واحد على وجود أي خلل في هذه النظرية فان هذا يشجعنا أن نبحث عن النظرية العامة لحقوق الإنسان في الفقه الإسلامي لنؤسس لمبادئ وقيم تضفي المزيد من الرصانة والجمالية على العمل الحقوقي،وهنا نحن نحتاج إلى الأدوات الأساسية للإنتاج المعرفي وفقاً للتصور الإسلامي واعني هنا المنهج المنظم والمحدد والواضح ،الأصيل بنفسه والفريد بنوعه والغزير بعطائه والشامل بمداه والعالمي بأفقه والإنساني بمطلقاته والمتطور في أطروحاته والمتقدم في تصوراته والمتكامل في معطياته.وقد يرى البعض إن الوصول إلى هذه الفرضيات محض خيال ومجرد تصورات بعيدة عن الواقع،والصحيح أن هذا الأمر ميسور وبين أيدينا لأننا نمتلك المصادر والوسائل ولدينا المقاصد والمحددات ونمتلك الثراء الإنساني والتراث المعرفي والمدارس الفقهية العتيدة والعقول القادرة على التحليل والتدليل والقياس والاستنباط والعطاء بلا انتهاء،فماذا نحتاج بعد ذلك؟إننا لا نحتاج إلا إلى أن تكون لدينا الثقة بأنفسنا وبموروثنا الفقهي وبمعطياته الأساسية.

وان العمل على إعداد المنهجية الإسلامية الخاصة بحقوق الإنسان له موجباته ،فمن ناحية إن الدراسات المقدمة في هذا المجال لا تزال في مراحلها الأولية ولم تقطع شوطاً كبيراً الأمر الذي يشجعنا للعمل على تطوير تلك الدراسات وإنضاج المفاهيم وتدعيمها وتاطيرها بشكل يجعلها في صورتها الطبيعية وبدون أي مغالاة في الطرح.في الوقت نفسه من واجبنا تجاه المجتمعات الإنسانية المختلفة أن نعرض لهم القواعد الحاكمة والمبادئ الضابطة والعناصر المؤسسة والركائز المحددة التي تنبني عليها العقلية الإسلامية في تعاملها مع الإنسان وحقوقه.

 ثم أن هذا الجهد التأسيسي سيكون وبلا أدنى شك مصدراً أساسياً من المصادر العالمية لحقوق الإنسان،وحركة حقوق الإنسان العالمية بحاجة إلى المصادر الأصيلة المتميزة بخصائصها ومرجعياتها المستقلة والتي تقدم فرضيات غير تقليدية وحلول لمشكلات مستقبلية وتتعامل بمرونة مع المستجدات وتعطي الحلول المثلى في كل زمان ومكان. وفي جميع الأحوال إن المنهجية التي ينبغي الوصول إليها يجب أن لا تؤسس على أحكام مسبقة ورغبات ودوافع غير علمية وإلا سوف نكون قد تخلينا عن أهم مرتكز لإنجاح العمل وهو الطرح العلي المحايد والموضوعي، كمي يجب أن لا نبني منهجيتنا الحقوقية على النتائج المنبثقة من الاستقراءات غير المنضبطة للوحي أو القراءات المغلوطة له أو الإفرازات الفكرية التي أنجبها الفكر الغربي ودخلت منظومتنا الحقوقية لأننا بحاجة للخروج بأحكام تحمل بصمات ثابتة للمنهجية الإسلامية تكون المعين الأساسي الذي نغترف منه كلما أردنا أن نعالج موضوع معين.

  وأخيراً إن هذه الأسطر هي ليست إلا محاولات لإثارة بعض التساؤلات الأساسية التي نحتاج إلى تحديد إجابات لها أثناء سعينا في بناء المنهجية الحقوقية الخاصة بنا،وستكون المنهجية محوراً أساسياً لقراءات لاحقة ولكن يبقى من المهم أن نطرح في هذا المجال عدد من الأسئلة الجوهرية لعل من أهمها: ما هي العوامل الأساسية التي تسهم في تشكيل المنهجية ؟ ومتى نستطيع القول بأننا نملك منهجاً متكاملاً؟ وهل يعد هذا المنهج مكملاً لما قبله ومتمماً لغيره أم انه له ذاتيته الخاصة وإطاره الخاص به ؟ وهل من آليات سليمة لتطبيق المنهج المحدد؟ وما هي العناصر التي ستساعدنا في طرح المنهج بشكل حقيقي؟ وما مدى اقتراب المنهج من الواقع ؟وفي جميع الحالات فان أي تعارض أو تقاطع ما بين عناصر العمل الخاصة بإنتاج المنهجية يمكن أن يضر كثيراً بأصل الفكرة التي نسعى إلى الوصول إليها ويفقدنا المزيد من الجهود والكثير من الوقت الذي نحن بأمس الحاجة إلى اختزاله وصولاً إلى تحقيق النتائج بأقل جهد واقصر الطرق وفي الوقت المناسب.  

 


الحرية بين الإطلاق والتقييد

 

 

    

 

*   حارث أديب

لا يخفى على كل منصف أن الحرية هي شرط أساسي لكي يتمكن الإنسان من ممارسة إنسانيته ويقوم بالواجب الذي خلقه الله لأجله على أتم وجه، ومن دون هذه الحرية يبقى الإنسان يعيش حالة نقص وقصور تجعله في وضع غير سليم وغير قادر على ممارسة نشاطه بشكل فعال ومؤثر ومنتج. وهذا أمر مسلم به ومحترم لدى كل الأديان والشعوب والحضارات والنظم الإنسانية.

        لكن مشكلة الحريات لا تثور إلا عندما يعيش الفرد في المجتمع، وهو لا يملك إلا ذلك فالإنسان اجتماعي بطبعه. وكما هو معلوم فإن لكل مجتمع أهدافه التي يتعين على الفرد أن يعمل على تحقيقها، لضمان استمرار سير هذا المجتمع وازدهاره وتطوره. وبالتالي فإن من واجب الفرد أن يمارس حريته في إطار الأهداف الاجتماعية، وهنا قد يحصل التعارض والتصادم بين السلطة بوصفها المسؤولة عن حماية مصالح المجتمع، والعمل على تحقيق أهدافه، والفرد الذي يسعى إلى ضمان الحصول على حريته المطلقة.

        وهذا التعارض لا يمكن أن يزال إلا من خلال تأطير ممارسة الحريات بشكل عام بإطار يتمثل في منع الإضرار بالمصلحة العامة، والتي تتمثل في النظام العام والأمن والآداب العامة وغيرها من المسائل التي يسعى المجتمع إلى الحماية عليها.

        إن مهمة تصميم إطار لممارسة هذه الحرية ملقاة على عاتق النظام الأساسي الذي يحكم سير المجتمع والمتمثل بالدستور. أما عملية تنفيذ هذا التصميم فيقوم بها القانون العادي من خلال نصوص تفصيلية تنظم ممارسة هذه الحريات.

        إن المشكلة تتمثل في أنه قد تكتفي الدساتير في كثير من الأحيان بالنص على هذه الحريات ومدى أهميتها بالنسبة للفرد تاركة عملية تصميم إطار الممارسة وتنفيذه للمشرع العادي في آن واحد. بمعنى أن هذه الدساتير قد تعطي المشرع العادي سلطة مطلقة في تقييد الحريات من دون بيان الضوابط التي عليه مراعاتها، أو حتى بيان المبررات التي تبيح له فرض هذه القيود.

        وهذا الأمر يؤدي إلى أن تصبح هذه الحريات تحت رحمة السلطة التشريعية التي يمكن أن تكون في كثير من الأحيان بيد أفراد لا يمثلون أبناء الشعب تمثيلاً صريحاً وحقيقياً. وبالتالي تقوم هذه السلطة بمنح الإدارة سلطات واسعة في فرض القيود على هذه الحريات قد تصل إلى درجة انتهاكها بالكامل.

        كما قد يحدث أن تمنح الدساتير حتى لو كانت قد حددت الضوابط والمبررات لعملية التقييد جهات معينة سلطات واسعة في حالات الظروف الاستثنائية تبيح لها عدم التقييد بالضمانات الممنوحة للحريات العامة، وقد تصل هذه السلطات إلى حد إيقاف أو تعطيل بعض النصوص الدستورية وخاصة تلك النصوص المتعلقة بضمان الحريات الشخصية.

        لقد سلكت الدساتير بشكل عام طريقين عندما نصت على كفالة الحرية، حيث ذهب جانب من هذه الدساتير إلى تنظيم هذه الحريات بشكل مباشر عن طريق إيراد مبررات وشروط وإجراءات يتعين على المشرع العادي مراعاتها عند قيامه بفرض قيود على هذه الحريات. في حين ذهب جانب آخر من هذه الدساتير إلى إطلاق يد المشرع العادي في فرض ما يشاء من قيود على هذه الحريات.

كما أن التنظيم الدولي سواء العالمي أو الإقليمي لا يزال قاصراً عن توفير الضمانات الحقيقية للحريات وهو بحاجة إلى جهود إضافية من أجل الوصول إلى توفير الحماية الحقيقية والتنظيم الفعال والمثمر لهذه الحريات.

لذلك فإننا نرى من الأولى قيام الدساتير بالنص في بداية الباب المتعلق بالحقوق والحريات على عدم جواز فرض قيود على الحقوق والحريات المكفولة بموجب هذه الدساتير سوى ما يعتبر ضرورياً لحماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الآداب وغيرها من الضوابط التي تعمل الدولة على حمايتها والتي تبيح فرض قيود من قبل المشرع على هذه الحريات. حيث أن إدراج مثل هذا النص يضيف ضمانة جديدة للحريات تفرض على السلطة التشريعية مراعاة هذه الضوابط عند قيامها بسن تشريع مقيد للحريات، فإذا لم يتوافر أحد هذه المبررات في التشريع المقيد عد هذا التشريع غير دستوري.

كما نرى ضرورة ثبات الدساتير والمواثيق الدولية على صيغة واضحة عند إحالتها لعملية تقييد الحريات للقانون العادي وتكون هذه الصيغة خالية من أي لبس أو غموض ولا تدع مجالاً لأي جهة بأن تجعلها منطلقاً لها في فرض قيود تعسفية على الحريات.

ونرى أن النص على وجوب أن تكون القيود على الحريات ضرورية للحفاظ على المصلحة العامة غير كافية، لذلك فمن الأولى أن تشير الدساتير والمواثيق الدولية إلى مراعاة مبدأ التناسب في فرض القيود على الحريات، لألا يترك أي مجال للسلطات في الدولة بالمبالغة في تقييد هذه الحريات.

ومن دون الأخذ بهذه الاحتياطات وغيرها فإننا نبقى أمام خطر انتهاك حرياتنا تحت مسميات عديدة وبالتالي الخروج من إطار الحياة الطبيعية التي ارتضاها الله لعباده على الأرض.

 

* رئيس الهيئة الإدارية في المنظمة الإسلامية لحقوق الإنسان

 


 

حقوق الإنسان.. لماذا؟

     

 

 

 

               *  محمد ذنون :

 

 

    إذا كان سؤال حقوق الإنسان بعامة من الأسئلة التي تتبوأ موقعاً رئيسياً ضمن الأسئلة الملحة التي تحتاج إلى إجابات في عالم اليوم ، فإن تبرير فكرة حقوق الإنسان أو تعليلها يشكل ركناً ركيناً وأولياً في الهيكل الفكري والتنظيري لحقوق الإنسان بحسب الوجهة الفلسفية التي ينتمي إليها الهيكل المعني. ولسنا في حاجة إلى الإيغال في التأكيد على الأهمية التي يتحلى بها سؤال: لماذا حقوق الإنسان! فإن فكرة الإلتزام على العموم وكذا فكرة الحرية بحاجة إلى تبرير نظري وتعليل فلسفي يدعمها ويمدها بالقدرة على البقاء والقابلية للتماسك المنطقي والعقلي والعلمي.

    ولا تقتصر الفائدة على الجانب النظري وحده ، فللجانب التطبيقي العملي لفكرة حقوق الإنسان تأثر واضح بالتوجه الذي تنطلق منه النظرية أو الفكرة من حيث ديمومة التطبيق أو وقتيته ، ومن حيث سعته وضيقه.

    وبالعودة إلى سؤالنا المطروح: لماذا حقوق الإنسان؟ ونقصد به الوراء النظري لحقوق الإنسان وخلفيته الفلسفية فقد اختلفت المدارس الفكرية والفلسفية في هذا الصدد. فمنها من أرجعت فكرة حقوق الإنسان إلى القانون الطبيعي بالقول أن للإنسان حقوقاً تستمد من الطبيعة البشرية للإنسان والتي لا يمكنه الاستغناء عنها. وتستند هذه المدرسة إلى الطبيعة بوصفها المعيار الموضوعي الذي يجب أن يسترشد بها السلوك البشري. وقد مرت هذه المدرسة بجملة تطورات إلى أن قررت بتساوي البشر في الحقوق التي يتمتعون بها بغض النظر عن الجنس أو العرق أو الدين أو غير ذلك. ونحن نلمس تأثير هذه المدرسة في وثائق الأمم المتحدة من خلال التعريف المتداول لحقوق الإنسان في وثائقها بأنها الحقوق المتأصلة في طبيعتنا التي لا يتسنى بدونها أن نعيش عيشة البشر.

    وبالانتقال إلى اتجاه آخر يتمثل في المدرسة القانونية الوضعية نجد جواباً من زاوية اخرى عن سؤالنا. فيرى أنصار هذه المدرسة أن الإلتزام بحقوق الإنسان يكون بسبب النص عليها في النصوص والمواثيق القانونية الوضعية التي تضفي على حقوق الإنسان صفة الإلزام بمواجهة الدول والحكومات. وبعبارة اخرى فإن الإجابة هنا شكلية تتمثل في القول بأن الدول تراعي حقوق الإنسان لكونها حقوقاً مكفولة قانونياً وعلى الصعيدين الداخلي والدولي. ولا يخفى تأثير هذه المدرسة الإيجابي في انتقال أفكار حقوق الإنسان من جانبها الأخلاقي المجرد إلى صورتها القانونية الملزمة والمتمثلة بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية والإقليمية فضلاً عن الدساتير والقوانين الداخلية. ومن ذلك العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللذين أقرتهما الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1966.

بعد ذلك تطالعنا المدرسة النفعية أو المصلحية والتي ترى أن لحقوق الإنسان خلفية نفعية. أي أن الإلتزام بحقوق الإنسان من قبل الأفراد والجماعات مرده النفع الذي ترتبه هذه الحقوق للفرد وللجماعة وما تعود به عليهم من مصلحة حياتية. وكنتيجة لهذه الفكرة فإن هذه المدرسة ترى تقديم الحقوق ذات النفع الأكبر وتأخير الحقوق ذات النفع الأقل. وتبرز الأهمية في هذا المجال عند تعارض بعض الحقوق مع بعضها الآخر كحقوق الفرد وحقوق الجماعة ، والحقوق الأساسية والحقوق غير الأساسية وهكذا.

    وإذا ما التفتنا إلى فكرة حقوق الإنسان وتبريرها في الإسلام لوجدناها تكمن في الإرادة الإلهية للخالق. فالله تعالى هو خالق الإنسان وهو الذي وهب هذا الإنسان حياته وجسده وعقله وأحاسيسه ابتداءً وبعيداً عن أي وصف لاحق. وذلك تمهيداً لاضطلاع الإنسان بالمهمة السامية التي خلق من أجلها وهي معرفة الله وتوحيده وعبادته من خلال الخلافة في الأرض، وهي المركز القانوني لهذا الإنسان إن صح التعبير، وتعميرها وتحقيق عبودية الله فيها. فإرادة الله إذن هي مصدر حقوق الإنسان في الإسلام والمبرر للإلتزام بها. وتتمثل هذه الإرادة في الوحي الإلهي المنزّل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم قرآناً وسنة. فنصوص هذين المصدرين المعصومين تزخر بالمبادئ المرسية لحقوق الإنسان والتي تكسب هذه الحقوق صفة ملازمة لها وهي الدوام والاستمرار والإلزام زمنياً ومكانياً.

ثمة تشابه بين النتائج المترتبة على التبرير الإسلامي لفكرة حقوق الإنسان وبين نتائج تبريرات المدارس الفكرية والفلسفية الأخرى،ومن ذلك عدم التمييز في الحقوق بين إنسان وآخر،والقول بأن حقوق الإنسان لصيقة بكل فرد ولا يمكن نزعها عنه في نتيجة موجودة أيضاً لدى مدرسة القانون الطبيعي.

وكذلك الاستناد إلى الشكلية القانونية من خلال وجود نصوص قانونية تضفي على هذه الحقوق صفة الإلزام بمواجهة الكافة فهي نتيجة موجودة في المدرسة القانونية الوضعية فضلاً عن وجودها الرصين في الفكرة الإسلامية من خلال النصوص الشرعية السامية والملزمة.

ومن نافلة القول أن التشابه في النتائج لا يترتب عليه تشابه في التبرير الفلسفي كما رأينا عند الوقوف عند كل مدرسة من هذه المدارس الفلسفية وكذلك عند تحليلنا للفكرة الإسلامية لحقوق الإنسان.

*عضو الهيئة الإدارية في المنظمة الإسلامية لحقوق الإنسان.

 


 

"التعذيب والمعاملة القاسية وغير الإنسانية"

قراءة حقوقية في أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان

            *   وسام نعمت السعدي

 

 إن اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة الصادرة في عام 1987 تعرف التعذيب في المادة الأولى منها بأنه:    ( لأغراض هذه الاتفاقية، يقصد “بالتعذيب” أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفة رسمية. ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها).

وتحظر جميع اتفاقيات حقوق الإنسان جميع صور التعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية أو المهينة ونكتفي بهذا الصدد بالتذكير بنص المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكلتاهما تنصان على :( عدم جواز تعرض أحد للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة) ، وكذلك إعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، الذي اعتمدته الجمعية العامة في التاسع من كانون الأول 1975، والمادة الخامسة من الاتفاقية الأمريكية والمادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.  حيث تنص الاتفاقية الأمريكية  في المادة الفقرة الأولى من المادة الخامسة  على أن “لكل شخص الحق في احترام سلامته البدنية والعقلية والأخلاقية .

وفي إطار القانون الإنساني الدولي تتضمن جميع اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولان الإضافيان لعام 1977 أحكاما تحظر صراحةً أو ضمناً التعذيب وغيره من أشكال  المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ويحظر أثناء النزاع المسلح الدولي تعذيب الجرحى والمرضى  للقوات المسلحة في الميدان بموجب المادة (12) من اتفاقية جنيف الأولى، ويحظر تعذيب الجرحى والمرضى والغرقى في البحر بموجب المادة (12) من اتفاقية جنيف الثانية، وأسرى الحرب بموجب  المادتين 17 و 87 من اتفاقية جنيف الثالثة،والمدنيين بموجب المادة 32 من اتفاقية جنيف الرابعة والمادة 75 من البروتوكول الإضافي الأول والمادة 4 من البروتوكول الإضافي الثاني. كما يتمتع المدنيون بالحماية بموجب المادة 37 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على معاملة المدنيين المحتجزين “معاملة إنسانية." وتحظر المادة 118 من اتفاقية جنيف الرابعة السجن “في مبان لا يتخللها ضوء النهار، وبصورة عامة أي شكل كان من أشكال القسوة” ضد المعتقلين. وأثناء فترات النزاع المسلح الدولي أو حروب التحرير الوطني، تحظر المادة 11 من البروتوكول الإضافي الأول أي عمل يمس “الصحة والسلامة البدنية أو العقلية للأشخاص الذين هم في قبضة الخصم أو يتم احتجازهم أو اعتقالهم أو حرمانهم بأية صورة أخري من حرياتهم...”.  كما تحظر المادة 75من نفس البروتوكول “ انتهاك الكرامة الشخصية وبوجه خاص المعاملة المهينة للإنسان والمحطة من قدره...”.

 وفي حالة المنازعات المسلحة غير الدولية، تحظر المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف الأربع “المعاملة القاسية والتعذيب” فيما يتعلق بالأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية. كما تحظر المادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف “الاعتداء علي السلامة الشخصية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب.”  وبالإضافة إلى ذلك، تحظر المادة 4 من البروتوكول الإضافي الثاني الأعمال التالية في كل زمان ومكان: “(أ) الاعتداء علي حياة الأشخاص وصحتهم وسلامتهم البدنية أو العقلية ولاسيما القتل والمعاملة القاسية كالتعذيب أو التشويه أو أية صورة من صور العقوبات البدنية... (ج) انتهاك الكرامة الشخصية وبوجه خاص المعاملة المهينة والمحطة من قدر الإنسان والاغتصاب والإكراه علي الدعارة وكل ما من شأنه خدش الحياء... (ح) التهديد بارتكاب أي من الأفعال المذكورة.”

ويقع انتهاك الحق في السلامة الشخصية عندما تطبق الدولة، من خلال وكلائها أو أي شخص آخر يعمل بصفة رسمية بتحريض منها أو بموافقتها أو بتغاض منها، التعذيب أو المعاملة القاسية أو الإنسانية أو المهينة موقعة بذلك معاناة بدنية أو نفسية أو أخلاقية. وكلما ازدادت شدة الألم والمعاناة والتعمد في إلحاقهما،كلما ازداد الاحتمال في أن تنطوي المعاملة على اعتداء على سلامة الشخص.وهناك ثلاث فئات من الأفعال تقابل هذا النوع من الانتهاك وهي:

(أ) التعذيب؛(ب) المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة؛(ج) محاولة الإعدام.

أ- التعذيب

وطبقا لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، يقصد “بالتعذيب” أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص لأغراض مثل:

(أ) الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث،على معلومات أو على اعتراف؛

(ب) معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث؛

(ج) تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث على القيام بأفعال قسراً عنه.

(د) عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه.

يشكل الألم أو العذاب الشديد السالف الذكر تعذيبا عندما يلحقه موظف عمومي أو أي شخص آخر يعمل بصفة رسمية أو بتحريض منه أو بموافقته أو بتغاضيه عنه.على أنه ينبغي تفسير السلوك الذي يميز التعذيب تفسيرا واسعا بدلا من تفسيره تفسيرا ضيقا.  وعلى أية حال،  ينبغي التشديد في هذا التعريف للتعذيب عل ثلاثة عناصر:

(أ) المعاناة الشديدة؛  (ب) إلحاقه عن قصد؛ (ج) من جانب موظف عمومي أو أي شخص آخر يعمل بصفة رسمية أو بتحريض منه أو بموافقته أو بتغاضيه عنه.

وفي إطار هذا التعريف، يشكل الاغتصاب ضربا من ضروب التعذيب.  على أنه، كما أسلفنا أعلاه،  ينبغي ملاحظة أن الألم أو العذاب الشديد الناشئين فقط عن العقوبات الشرعية أو الملازمين لها أو المترتبين عليها قد لا يندرجا تحت تعريف التعذيب إذا كانت هذه العقوبات مقبولة  بمقتضى القانون المحلي والقانون الدولي لحقوق الإنسان على السواء.  وقد يعتبر السلوك المسموح به بموجب القانون المحلي تعذيبا إذا لم يكن مقبولا  بموجب الصكوك الدولية، مثل القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء.

ب- المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة

التعذيب شكل مبالغ فيه من أشكال المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.  على أن بعض أنواع المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لا تشكل “تعذيبا”. وليس من اليسير في كل الأحوال تحديد فرق أو خط فاصل.  وعلى سبيل المثال، هل يندرج الضرب الذي مما لا شك فيه ( أنه قاس وغير إنساني ومهين ) تحت وصف “التعذيب”؟ وأين تقع عتبة شدة المعاناة وجسامة الجروح والإصابات؟

وعملا بالمادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، تنطبق الالتزامات الواردة في المواد 10 و11 و12 و13  على كل من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. ومن هنا فإن المادتين 12 و13 تتطلبان من الدول كفالة تقصي الشكاوى بشأن وقوع أعمال تنطوي على تعذيب أو معاملة أو عقوبة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة على السواء.  وبالمثل،عملا بالمادة 10، يتعين على الدول أن تدرج في تدريب الموظفين بإنقاذ القوانين والموظفين الطبيين  والموظفين العموميين، الخ تثقيفا ومعلومات بشأن حظر التعذيب /المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

على أن تعريف الفعل الذي يشكل تعذيبا وليس بالأخرى معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة قد ينطوي على عواقب هامة.  ومثال ذلك أن المادة 4 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة تتطلب من كل دولة طرف أن تكفل اعتبار كل عمل من أعمال التعذيب  جرائم بموجب قانونها الجنائي.  كما تكفل الدول تمتع الضحايا بحق واجب التنفيذ في تعويض منصف وكاف (المادة 14) وعدم الاستشهاد بأية أقوال يتم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب، كدليل في أية إجراءات، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال (المادة 15). وهذه المواد الواردة في اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لا تنطبق على المعاملة أو العقوبة  القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

والتفرقة بين التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ليس أمرا يسيرا في كل الحالات.  كما أنه ليس من الضروري لموظفي حقوق الإنسان إجراء هذه التفرقة. ويشكل التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة انتهاكا لحقوق الإنسان يجب على موظفي حقوق الإنسان جمع معلومات عنه والإبلاغ عنه.

واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة تتطلب صراحةً من الدول  الأطراف وضع إجراءات جنائية  لمكافحة التعذيب.  وتقتضي المادة 7 من الاتفاقية أن تقوم الدول بتسليم الأشخاص الذين يدّعى ارتكابهم لجرائم التعذيب أو “بعرض القضية على سلطاتها المختصة بقصد تقديم الشخص للمحاكمة.”

*   نائب رئيس الهيئة الإدارية

 


الحماية الدولية للمدنيين في منظور القانون الدولي الإنساني                  

   

 * فتحي محمد فتحي

 

 

 

 

 

 

 تعد قواعد حماية المدنيين من أهم القواعد التي من خلالها يمكن معرفة مدى جدية الدول في احترام الشعوب وحقوقها.وان التحديد الدقيق لمفهوم المدنيين والمقاتلين وسيلة لابد منها لتفعيل قواعد الحماية.وان التميز بين المحاربين وغيرهم كان حتى منتصف القرن التاسع عشر إفرازا عمليا وعرفيا لكثير من الحروب في أوربا ولم يكن المدنيون في الغالب يقتربون من المناطق التي يتواجد فيها العسكريون.إلا أن هذا لم يمنع من وقوع الكثير من الانتهاكات التي أصابت المدنيين من خلال محاصرة المدن المدافعة والمناطق السكنية.ورغم ما تقدم فان اعتماد الزي الموحد معيارا للتميز لا يمكن الاعتماد عليه كثيرا خصوصا انه وجد من بين المدنيين من يرتدي ذلك الزي في بعض المجتمعات.

إن تعريف المدنيين والمحاربين لا يخرج عن تبني اتجاه واحد من ثلاثة, إن إعطاء تعريف سلبي للمدنيين وهو ما تميل إليه اغلب الدول هو الأفضل للتحقيق حماية أوسع للمدنيين.ومعنى التعريف السلبي هو أن يتم إعطاء تعريف لغير المدنيين واعتبار من لا ينطبق عليه التعريف من المدنيين. حيث أن تبني تعريف  ايجابي للمدنيين قد يؤدي إلى عدم شمول بعضهم بالحماية لعدم ذكرهم في التعريف مثلا. كذلك تعريف كل من الفئتين قد يؤدي إلى غموض أو تعارض بين المفهومين أو حتى بروز فئات لا ينطبق عليها التعريفان.لذلك الأفضل هو إعطاء تعريف سلبي للمدنيين مما يؤدي إلى توسيع حماية المدنيين بشكل يتلاءم مع الأهداف الإنسانية للقواعد الحماية.

إن عمليه التعريف هذه كانت عبر كل المراحل عبارة عن صراع بين وجهات نظر سلطات صغيرة يمكن أن تكون عرضة للغزو الاحتلال وقوى كبرى تطمح في السيطرة والتوسع.فاتفاقية لاهاي 1907 كان خير مثال على ذلك حيث حاولت أن تعطي تعريفا للمحاربين وبالتالي إعطائهم صفة أسرى حرب إذا ما وقعوا بالأسر أكثر من اهتمامها بالجانب الإنساني لسكان الأقاليم المحتلة .المحاربون وفقا لهذه الاتفاقية هم القوات المسلحة النظامية أو مجموعات عسكرية متطوعة إذا توافرت فيهم شروط معينة. ويمكن أن تعد ابرز مشكله واجهت اتفاقية  لاهاي هي بروز مجموعات المقاومة المسلحة وصعوبة تطبيق تلك الشروط عليها.

إن اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949على الرغم من اهتمامها بحماية المدنيين إلا أنها جاءت متأثرة ببالفعل الأشخاصتفاقية جنيف الرابعة التي تعد الأهم بهذا المجال لان موضوعها الأساس حماية المدنيين وقد حددت بالفعل  الأشخاص المشمولين بإحكامها( المادة الرابعة من اتفاقية حنيف الرابعة) إلا أنها جاءت خالية من أي تعريف للسكان المدنيين. بل إن اتفاقية جنيف الثالثة أعطت تعريفا لأسير الحرب اقتبسته من لاهاي 1907.وخلال مؤتمر 1974-1977 لتطوير وإصلاح القانون الدولي الإنساني وعلى مدى جلساته الأربع كانت مسالة تعريف المحاربين أو المدنيين مسالة معقدة جدا بل هي لوحدها كانت سببا كافيا في عدم تصديق أو توقيع بعض الدول على البروتوكول الذي تمخض عنها.

أما البروتوكول الأول لعام 1977 الوثيقة التي تعد الأهم في حماية المدنيين خلال فترة النزاعات الدولية المسلحة حيث كانت الفكرة منه أن يكون مكملا وملحقا في اتفاقيات جنيف الأربع وبالفعل جاء بأحكام ما بين جديدة ومكملة وأحيانا منتقصة لما تضمنته اتفاقيات جنيف.

والملاحظ انه في البروتوكول الأول على عكس اتفاقيات جنيف فيه إشارات ومحددات لتعريف المدني حيث انه تبنى تعريفا سلبيا للمدني وهو موقف صحيح,إن مثل هذا الموقف يمكن المجتمع الدولي من الاستفادة من التشريعات السابقة التي كانت تهتم بإعطاء تعريف للمحارب. وبالتالي فان إعطاء المدني تعريفا سلبيا يمثل خطوه تراكمية وتكميلية لما سبق وسدا للنقص والقصور في الأحكام المتعلقة بحماية المدنيين.وفعلا كان الدور التكميلي لهذا البروتوكول واضحا ففي المادة 43 منه حدد الشروط الواجب توفرها في الفئات أو المجموعات التي نصت عليها المادة (4)من اتفاقية جنيف الثالثة لكي يعطون وصف القوات المسلحة وبالتالي أسرى حرب إذا ما وقعوا في الأسر.ثم بعد ذلك حدد أن المدني كل شخص لا ينتمي إلى الفئات التي وردت في هاتين المادتين مع وجد بعض الاستثناءات.

المجموعة الأولى من المحاربين تشمل كافة القوات المسلحة والمجموعات والوحدات النظامية التابعة لها على أن تتوافر فيهم شرطين وفقا للمادة 43 من البروتوكول الأول  وهما وجود قيادة مسؤولة عن سلوك إفرادها ووجود نظام داخلي ينظم عملها بما يكفل احترام قوانين الحرب. على الرغم من أن هذه المادة لم تأتي بجديد فقد كانت معروفة في اتفاقية لاهاي 1907 إلا أنها جاءت بشكل لا يسمح بإساءة الفهم .فانتهاك القانون من قبل أي عضو من القوات المسلحة  لا يبرر معاملة كل تلك القوات على أنها قوات غير مسلحة أو معاملة أعضائها على أنهم ليسوا أعضاء في القوات المسلحة.فالمادة 43 لم تعطي أية مجال لتفسير أو معنى مغاير بشكل يرسخ حماية القوات المسلحة بما في ذلك أفراد قوات الاحتلال.

المجموعة الثانية من المحاربين تشمل المجموعات المسلحة غير المرتبطة بالقوات المسلحة بما في ذلك حركات المقاومة.ولكن لشمول هذه المجاميع بتعريف المحارب وبالتالي حصولهم على صفة أسير الحرب فيما لو وقع بالأسر يجب أن تتوافر فيه ستة شروط أربعة مذكورة صراحة في المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة واثنان  ذكرا ضمنا.الأربعة المذكورة صراحة هي وجود قيادة وعلامة مميزة وحمل السلاح علنا واحترام قوانين الحرب والشرطان الضمنيان هما التنظيم والانتماء إلى احد أطراف النزاع.

في الحقيقة المشكلة تكمن في تطبيق هذه الشروط أو على اقل تقدير بعضها .فعلى سبيل المثال ما هو الحكم فيما لو فقدت المجموعة بكاملها أو بعض أفرادها لكل أو بعض الشروط؟. هذا سوف يقودنا إلى مسالة أخرى هي انه هل هذه الشروط جماعية تخص المجموع أم هي فردية تتعلق بكل فرد من أفراد المجموعة؟.يمكن القول إن شرط القيادة والتنظيم والانتماء إلى احد أطراف النزاع هي شروط جماعية تخص المجموع لأنها تتعلق بالسيطرة والتعريف. أما الشروط الأخرى فهي تتعلق بكل فرد من أفراد المجموعة  وبالتالي فان عدم توفرها  كلها أو بعض منها في إي فرد من الأفراد لا يؤثر على صفة المقاتل لهذه المجموعة- كما هو الوضع في القوات المسلحة النظامية(المادة 5 و 85 من اتفاقية جنيف الثالثة) - بل حتى على ذلك الفرد فهو لا يفقد صفته كمحارب وبالتالي أسير حرب إذا ما وقع في الأسر وهذا لا يمنع من أن يسال عن جريمة حرب نتيجة انتهاكه لتلك الشروط.فالفرد في القوات المسلحة في حالة انتهاكه لشرط احترام قوانين الحرب فان ذلك لا يفقده صفة المقاتل . وهذا واضحا فالمقاتلين التابعين لقوات التحالف في العراق ينتهكون قوانين الحرب بشكل يومي لكن ذلك لا يفقدهم صفة المقاتلين.وكذلك الحال في اشتراط وجود قيادة مسؤولة عن سلوك مرؤوسيها, هذا الشرط من الصعب توافره في المجموعات التي تقاوم القوات المحتلة كما هو الحال الآن في العراق حيث يوجد مجموعات تقاوم الاحتلال لكنها من الصعب أن تعلن عن نفسها أو عن قيادتها لان هذا يعني القضاء عليها وهكذا الحال في كل الدول التي تتعرض للاحتلال .كما أن هذا  الشرط  يشير إلى التابعية وهذا الكلمة  تحمل في طياتها الأمر الصادر من الأعلى إلى الأدنى وهذا يمكن ملاحظته في قوانين شروط الخدمة العسكرية في كل دولة وهذا لا ينطبق على هذه المجموعات .

وفي كل الأحوال فان  تحديد المقاتل بهذه الصورة الدقيقة هي مسالة مفيدة له وللمدنيين في نفس الوقت فهو يستطيع أن يستفاد من معاملة الأسير إذا ما وقع في الأسر أما المدني فهو لا يمكن أن يكون محلا للهجوم وبذلك يمكن تطبيق مبدأ التميز.

كما يمكن لسكان بلد غير محتل أن يحملوا السلاح لمقاومة القوات الغازية بصورة غير منظمة بشرطين مراعاة قوانين الحرب وحمل السلاح بصورة علنية ( الفقرة 6 من المادة الرابعة).

بعد تحديد المقاتل وشروطه أعلاه أصبح من السهل تعريف المدني تعريفا سلبيا فالمدني هو كل شخص لا ينتمي إلى أيه فئة من هذه التي ذكرت لاحقا.وبالعكس فان المحارب هو من تتوفر فيه الشروط وينتمي إلى أي من الفئات أعلاه.

بالتأكيد إن غير المقاتلين لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم إذا ما تعرضوا إلى عدوان لكن ما هو الحكم فيما لو تجاوزا هذا الحق وبادروا بالأعمال العدائية؟.فلا يمكن  أن يكونوا محلا للهجوم لأنه غير محاربين في الأصل كما لا يمكن اعتبارهم مدافعين عن أنفسهم لأنهم هم من بدوا بالعدوان.وبالفعل هذه إحدى المشاكل التي يمكن أن تكون عائقا في تعريف المحاربين.

*  فتحي محمد فتحي / الرئيس السابق للهيئة الادارية للمنظمة الاسلامية لحقوق الانسان  (2003-2004) ، حالياً طالب في الدكتوراه، متخصص في القانون الدولي الإنساني / مدريد -اسبانيا.

 

 


 

الحماية الدولية للجامعات والمؤسسات العلمية  :

 

 تزخر قواعد القانون الدولي العام بالعديد من النصوص الدولية المقررة لحماية الجامعات وسائر المؤسسات التربوية والتعليمية ، هذه الحماية مقررة استناداً إلى العديد من المعطيات القانونية والمبررات الواقعية التي تفرض تمتعها بقدر كبير من الحماية وعلى اختلاف الأشكال والصور التي تتخذها تلك الحماية ، وإذا كنا بصدد البحث عن مصادر تلك الحماية فإنها متوفرة في أحكام النصوص القانونية الوطنية والدولية على حد سواء ، والعلة التشريعية التي بموجبها تتمتع الجامعات وسائر المؤسسات ذات الطابع العلمي والتربوي بحصانة من نوع خاص ترجع إلى الطبيعية التكوينية لتلك المؤسسات والدور المحوري الذي تؤديه في حياة الأمم والمجتمعات ، فهي من جهة  أطراف محايدة بعيدة كل البعد عن أي مصدر من مصادر التوتر أو الاضطراب بحكم طبيعتها المدنية البحتة ورسالتها العلمية الرصينة ، وهي في الوقت نفسه المؤسسة التي تصنع الفكر والإبداع وتنتج المعرفة الإنسانية وتبني القيم الحضارية وتؤسس معالم المدنية الحديثة لكل مجتمع من المجتمعات.  

أما عن مصادر تلك الحماية فهي تظهر بشكل خاص من خلال القواعد القانونية التي تنظم الحماية الدولية الواجبة للأعيان المدنية في فترة الصراعات المسلحة الداخلية والدولية وهذا الأمر واضح من خلال أحكام القانون الدولي الإنساني الذي يحكم سلوك وتصرفات أطراف الصراع ويضع من الضوابط والقيود ما يحول دون انتهاك حرمة تلك المؤسسات أو الإساءة إليها ، ومن خلال أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يضفي المزيد من الاحترام للمؤسسات التربوية والتعليمية من خلال نهجه في التعامل مع تلك المعطيات على اعتبار أنها مرتكزات لآي عمل يستهدف النهوض بالحق في التعليم أو بالحقوق الثقافية أو الفكرية وغيرها، من جهة أخرى هناك من نصوص الحماية ما ورد النص عليه في أحكام القانون الدولي العام ضمن تصديه لبيان آليات التعامل مع المؤسسات الثقافية والعلمية والتربوية واعتبر الجامعات في منزلة رفيعة ومتقدمة من حيث الأماكن التي يجب أن تحترم وتحمى وأعطاها مكانة مساوية لمكانة المتاحف والمناطق الأثرية وأماكن العبادة من حيث أهميتها ومن حيث قدسيتها وعدم جواز الخروج عن القواعد الملزمة التي تفرض على جميع الأطراف احترامها .

أما عن ابرز المعطيات القانونية التي تبرر وضع ضوابط خاصة تكفل التعامل مع تلك المؤسسات بشكل يتناسب مع أهميتها فإنها تتلخص بما يأتي :  

  1.   إن هذه المؤسسات تعد من المؤسسات المدنية البعيدة كل البعد عن أي نشاط يتناقض مع طبيعتها ومع طبيعة عملها وإنها تصنف في إطار القانون الدولي الإنسان من المؤسسات المدنية ذات الطابع الخاص نظراً لعدم إمكانية استغلالها في أداء مهام تخرجها عن تلك الطبيعة .

2.  إنها تتمتع بجميع المعايير القانونية التي أقرتها اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والخاصة بحماية المدنيين أثناء الصراعات المسلحة ، هذه المعايير جميعها تتوفر في الجامعات الأمر الذي يجعلها تخضع لكل ما ورد في هذه الاتفاقية من أحكام تصون القيم العلمية لها وتحافظ عليها من أي مخاطر محدقة .

3.  كما تحضى تلك المؤسسات بحماية النصوص القانونية المقررة في البروتوكول الإضافي الأول والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 والملحقان باتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 .

4.   وتتمتع الجامعات بالحماية القانونية المقررة بمقتضى أحكام اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح والمقررة في 14 أيار 1954 .

5.  وتحضى تلك المؤسسات أيضا بالحماية القانونية المقررة في اتفاقية واشنطون الخاصة بحماية المؤسسات الفنية والعلمية  لعام 1953والتي تنص مادتها الأولى على ما يأتي : ( تعتبر المؤسسات الثقافية والتربوية والفنية والعلمية أماكن محايدة ، ينبغي احترامها من قبل أطراف الصراع وحمايتها ، ويجب أن يتمتع الأفراد العاملون في تلك المؤسسات بالاحترام والحماية )  .

6.  وبالإضافة إلى ذلك تبقى تلك المؤسسات محمية بموجب قواعد القانون الدولي العرفي والتي لا تزال تبسط سطوتها على سلوك أطراف النزاع في الكثير من الحالات التي يخشى معها أن يلحق ضرراً محدداً بإحدى المؤسسات التربوية أو التعليمية .

 7.         وأخيراً تجد نصوص الحماية مكانها أيضاً في القوانين الوطنية ونذكر على سبيل المثال نص المادة الثانية والعشرين  من قانون التعليم العالي والبحث العلمي في العراق المرقم (132) لعام 1970 والتي تقضي بما يأتي : ( الجامعة حرم امن ذو حصانة وهي ارفع وأصفى مصادر المجتمع الذي أناط بها أسمى أماناته وعليها تقع مسؤولية تحقيق الأهداف السامية للتعليم العالي المقررة في هذا القانون ).بعد هذا العرض الموجز لأبرز نصوص الحماية المقررة للجامعات في هذا المجال ، يكون من المناسب أن نحدد ابرز أشكال الحماية التي تتمتع بها تلك المؤسسات ، وفي هذا الصدد نستطيع القول بان الجامعة وكما أسلفنا حرم امن لا يجوز الإخلال بقدسيته بأي شكل من الأشكال ويعد من قبيل الإخلال بهذا الحرم ما يقع من أعمال وممارسات عسكرية لقوات نظامية وطنية أو أجنبية تجري داخل ذلك الحرم ويضاف لذلك أعمال أطلاق النار أو استخدام أي مظهر من مظاهر القوة العسكرية أو التهديد باستخدامها  داخل تلك المؤسسات أو حمل السلاح بشكل ظاهر لأطراف غير مرخصة بذلك أو ممارسة أي أعمال تهديد أو ترويع تستهدف الطلبة أو الأساتذة أو المنتسبين لتلك المؤسسات أو أعمال الاقتحام أو الاعتقال التي تتم داخل تلك المؤسسة أو أي صورة أخرى من الصور من شانها ان تمس المكانة الرفعية التي يجب ان تتمتع بها الجامعات بغية تمكينها من أداء رسالتها التربوية والعلمية على أتم وجه . وأمام وضوح نصوص الحماية لا يملك أي طرف أن يرتكب من الممارسات ما يعد إخلالاً بتلك الحماية تحت أي مبرر أو مسوغ حيث لا اجتهاد في مورد النص، لأنه يكون بذلك قد خرق جميع مصادر التجريم للأفعال التي ترتكب بحق تلك المؤسسات ولأنه أقدم على تجاهل إرادة الأسرة الدولية عبر عدم التقيد بالمواثيق والأحكام التي صاغتها والتي التزمت الدول بإرادتها بالعمل على احترامها وتطبيقها . أخيراً لابد من الإشارة إلى ابرز الأطراف الدولية المسؤولة عن تفعيل نصوص الحماية ومتابعة تطبيقها واحترامها ومحاسبة المخالفين والمنتهكين لتلك النصوص ، وفي هذا الصدد يكون المجتمع الدولي (ابتداءً بالدول ومروراً بالمنظمات الدولية وسائر أشخاص القانون الدولي ) بأسره المعني أولاً وأخيراً بالعمل من اجل تطوير وتعزيز الجهود الرامية إلى صيانة وحماية تلك المؤسسات ، ولكن هناك دور إضافي لعدد من الأطراف المعنيين بهذا الأمر أبرزهم اللجنة الدولية للصليب والهلال الأحمر فيما يخص تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية المنظمة للقانون الدولي الإنساني ، ومنظمة اليونسكو فيما يخص تطبيق أحكام اتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية لعام 1954، ويبقى للمجتمع الدولي عبر مؤسساته المختلفة دوراً أخر في متابعة مدى التزام الأطراف المختلفة بالحماية القانونية المقررة للجامعات ، ولا يمكن أن يتم تجاهل دور منظمات المجتمع المدني كأحد الشركاء الدائمين في العمل على الصعيدين الوطني والدولي وما تمارسه تلك المؤسسات من  دور كبير في رصد كل انتهاك يصيب تلك المؤسسات ودورها في فضح تلك الانتهاكات والدفاع عن الحقوق المشروعة المقررة لصالح تلك المؤسسات وعن الضمانات القانونية الني تتمتع بها .  

 

  E-mail: wisamalsaadi@yahoo.com 2007.

 


 

 

القوات المتعددة الجنسية والتزاماتها الدولية

 

وسام نعمت السعدي / ماجستير قانون عام

 

 

 

يتحدث البعض عن حصانات تتمتع بها القوات المتعددة الجنسية وعن إعفاءات قضائية عن جرائم قد تقترف فوق الأقاليم التي تمارس عملها فيها، ويحاول البعض التسويق لمثل هذه الفرضيات أو إعطائها جانباً قانونياً معيناً، ولكن يغفل هؤلاء إن هذه القوات لا يمكن أن تكون بمعزل عن المسئولية أو أن تكون فوق القانون، حيث أنها تبقى ملزمة بالتزامات قانونية يجب احترامها وعدم تجاهلها بأي شكل من الإشكال، ونعرض لأبرز هذه الالتزامات وكما يلي:

1- القانون الجنائي الدولي: والذي يحدد الجرائم الدولية على اختلاف أشكالها (جرائم الحرب، جرائم ضد الإنسانية، جرائم ضد السلام، جريمة إبادة الجنس البشري، وجريمة العدوان ) وبالتالي يخضع لنصوص التجريم الواردة في هذا القانون جميع الأشخاص الذين يثبت أدانتهم بجريمة من تلك الجرائم، وان نصوص هذا القانون لا تتحدث عن أي استثناءات يمكن تمنح لأحد وأي دولة تحاول أن تمنح نفسها إستثناءات خاصة فأنها تفعل ذلك بقانون القوة لا بقوة القانون. والمحاكم المختصة بتطبيق هذا القانون هي محكمة لاهاي لمجرمي الحرب والمحكمة الجنائية الدولية.

2-القانون الدولي لحقوق الإنسان: والذي يفرض على الجميع احترام أحكامه ومبادئه بما في ذلك القوات المتعددة الجنسيات وعدم جواز الإخلال بها بأي شكل من الإشكال وبالتالي فإنها تسأل عن جميع الممارسات التي تشكل انتهاكاً أو خرقاً لهذا القانون، وبالتالي لا تملك هذه القوات أن تقيد حقاً من حقوق الإنسان أو أن تعتدي عليه سواءً أكان حقاً من الحقوق الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية أو المدنية.  ويقع على عاتق المنظمات الدولية والإقليمية والوطنية المعنية بحقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى مراقبة مدى التزام هذه القوات بهذه الحقوق.

3- القانون الدولي الإنساني: تبقى هذه النصوص ملزمة لهذه القوات في جميع تصرفاتها، خاصة ما يتعلق منها بحماية المدنيين وتوفير الحماية القانونية اللازمة للفئات المحمية دولياً بمقتضى اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وملحقيها الإضافيين لعام 1977 خاصة تلك المقررة للأطفال والنساء وللأعيان المدنية كالمستشفيات ودور العبادة والمؤسسات التعليمية والمرافق الخدمية وغيرها. وبالتالي فان مسئولية هذه القوات تبقى قائمة عن الجرائم التي ترتكبها متى ثبت ارتكابها تلك الأفعال. ويكون من واجب الهيئات الدولية والوطنية الحكومية وغير الحكومية والأفراد تحريك الشكاوى ضد تلك القوات ويكون للمحاكم الجنائية الدولية الحق في محاكمتها عن تلك الجرائم.

4- ميثاق الأمم المتحدة: حيث يحكم هذا الميثاق عمل قوات الأمم المتحدة لحفظ السلم و القوات الدولية العاملة بتخويل منها وبالتالي يجب إن لا تتجاوز الأعمال التي تقوم بها هذه القوات حدود حفظ الأمن والسلم الدوليين وفي كل الأحوال يجب أن لا تخل بمقصد من مقاصد الأمم المتحدة أو هدفاً من أهدافها. وبالتالي أن لا تتخذ هذه القوات من عملها مبرراً للتدخل في الشؤون الداخلية للدول أو أن تحول دون تمكين الشعوب من حقها في تقرير مصيرها بان تعمل على تكرس حالة الاحتلال أو يصدر عنها تصرفات تعد خرقاً لسيادة الدولة واستقلالها،  وبالتالي فان أي تجاوز في عمل هذه القوات يمكن معه مسائلتها أمام الهيئات الدولية بما في ذلك محكمة العدل الدولية الجهاز القضائي للأمم المتحدة بالقدر الذي يسمح به نظامها الأساسي. 

5- مبدأ السيادة الإقليمية: فالقوات المتعددة الجنسية باعتبار أنها قوات أجنبية وان ما ينظم عملها هو اتفاق بين طرفين فان هذه القوات ملزمة باحترام السيادة الإقليمية للدولة التي توجد على إقليمها وان لا تقوم بأي تصرف يمس تلك السيادة فينقصها أو يخل بها، وانطلاقاً من مبدأ السيادة تستأثر الدولة بممارسة اختصاصاتاتها السيادية في تصريف شؤونها بعيداً عن عمل تلك القوات.

6- مؤسسات المجتمع المدني: تتزايد يوماً بعد يوم الدور الذي تضطلع مؤسسات المجتمع المدني بأدائه، وقد أصبح لهذه المؤسسات حضوراً مهماً في ميدان مراقبة عمل القوات المتعددة الجنسيات وتوثيق الانتهاكات التي ترتكبها والممارسات المجرمةاو غير المشروعة.  ويتميز في هذا الميدان دور المنظمات الدولية غير الحكومية التي تصدر تقاريراً دورية عن عمل هذه القوات  وتحدد فيها صور عديدة من الانتهاكات وتحذر من الآثار السلبية الناجمة عن بعض التصرفات التي تقوم بها هذه القوات .

7- الاتفاقات المنظمة لعمل هذه القوات: جانب من هذه الالتزامات يتحدد في الاتفاقيات التي يجري إبرامها لتنظيم عمل هذه القوات، وبالتالي فان أي بنود ترد في تلك الاتفاقيات تحدد طبيعة عمل هذه القوات ومدة بقائها والمهام التي تضطلع بها والحدود التي تستطيع العمل في إطارها تكون ملزمة لها. وأي إخلال بهذه البنود يكون مدعاة لقيام المسئولية الدولية لهذه القوات.

 

 

  E-mail: wisamalsaadi@yahoo.com

 

الى الاعلى


 

ما هي حقوق الإنسان؟

ياسر ضياء سعيد

 

1- حقوق الإنسان مصطلح واسع الانتشار والتداول في وسائل النشر المسموعة والمقروءة والمرئية، إلا انه غالباً ما يفسر تفسيرات سطحية وغير دقيقة أو يستخدم لأغراض سياسية، خاصة في ظل ثقافة العولمة التي تحاول أن تفرض أشكالاً وأطراً ثقافية معينة غير حيادية تتخذ من (حقوق الإنسان) أرضية للانطلاق نحو مهاجمة الثقافات الأخرى بحجة عدم اهتمامها بحقوق الإنسان؛ حتى أصبح القارئ العادي يتعامل مع هذه العبارة بحذر و ريبة في كثير من الأحيان. لذا تحاول هذه المقالة توضيح الصورة قدر الامكان. ابتداءً هنالك عدة تعاريف لمصطلح حقوق الإنسان منها تعريف منظمة العفو الدولية القائل : ((  يمكن تعريف حقوق الإنسان بأنها المعايير الأساسية التي لا يمكن للناس، من دونها، أن يعيشوا بكرامة كبشر ))( [1]) . ويعرفها البعض بأنها: (( مجموعة الحقوق و المطاليب الواجب الوفاء بها لكل البشر على قدم المساواة دونما تمييز فيما بينهم )) ([2])، وفي تعريف مشابه إنها: (( مجموعة من الامتيازات تتصل طبيعياً بكل كائن بشري يتمتع بها الإنسان و يضمنها القانون و يحميها .(  [3])  إن حقوق الإنسان ليست نتاجاً ثقافياً لحضارة معينة دون غيرها ، بل هي ناشئة عن تراكم نتاجات وإسهامات الحضارات المختلفة  وفي مقدمتها  الحضارة الإسلامية  حيث تحتل  حقوق الإنسان مكانة متميزة وفي العديد من آيات القرآن الكريم التي تعد أعلى مصادر التشريع في الإسلام،  وضعت المعايير والأسس لمجتمع قائم على العدل والمساواة ؛ يرفض ويمقت المفاضلة على أساس العرق أو اللون أو الغنى أو النسب ،و يساوي بين بني البشر جميعاً ذكوراً  كانوا أم  إناثاً ، كونهم خلفاء في الأرض و مكلفين باستعمارها جميعاً  : (( فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض )) (آل عمران / آية 195 )، وقوله تعالى: (( يأيها الناس إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم )) (الحجرات / آية /13). و هكذا الحال في السنة النبوية المشرفة، المصدر الثاني للتشريع في الإسلام، نجد تطبيقات و ممارسات حقيقية للتعددية وللاعتراف بالآخر؛ فوثيقة المدينة التي يعدها بعض فقهاء القانون المعاصرون ( أول تشريع دستوري في الإسلام)أُعلن فيها عن حقوق الإنسان المبنية على أساس المواطنة ،  و بالحقوق الكاملة لأتباع الديانات السماوية الأخرى وان لهم من الحقوق مثل التي للمسلمين في المدينة .  فضلاً عن العديد من الأحاديث التي تؤكد على مكانة الإنسان وكرامته وعلى المساواة بين البشر كقوله صلى الله عليه وسلم: (( الناس سواسية كأسنان المشط )): (( كلكم لآدم و آدم من تراب.)) ، (( لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى .)). وهكذا أسس فقهاء المسلمين مقاصد الشريعة الإسلامية على أمورٍ خمسة: ( حفظ النفس و حفظ الدين و حفظ العرض و حفظ المال و حفظ العقل.) وهي جوهر حقوق الإنسان في كل زمان ومكان. ومما تقدم يمكننا أن نحدد أهم خصائص حقوق الإنسان .

2- خصائص حقوق الإنسان :

3-  حقوق الإنسان لا تُشترى ولا تُكتسب ولا تورث، فهي ببساطة ملك الناس لأنهم بشر.. فحقوق الإنسان "متأصلة" في كل فرد .

4-       حقوق الإنسان واحدة لجميع البشر بغض النظر عن العنصر أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي. وقد وُلدنا جميعاً أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق.

5-       حقوق الإنسان لا يمكن انتزاعها؛ فليس من حق أحد أن يحرم غيره من حقوق الإنسان حتى لو لم تعترف بها قوانين بلده، أو عندما تنتهكها تلك القوانين .. فحقوق الإنسان ثابتة "وغير قابلة للتصرف". كي يعيش جميع الناس بكرامة، فإنه يحق لهم أن يتمتعوا بالحرية والأمن، وبمستويات معيشة لائقة.. فحقوق الإنسان "غير قابلة للتجزئة".                                                                                                    

أجيال حقوق الإنسان:

و من الجدير بالذكر أن حقوق الإنسان لم تظهر هكذا بصورتها الحالية مباشرة بل مرت بمراحل تطور تمثل انعكاساً لتطور البيئة الاجتماعية التي نمت من خلالها إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم  ، حيث ابتدأت بالاهتمام بالحق في الحياة الآمنة  ورفض العبودية و مناهضة التعذيب .ثم ظهر الاهتمام بالحقوق الاقتصادية تماشياً مع النمو الاقتصادي  للشعوب . ثم تلا ذلك الدعوة إلى الاهتمام بالحقوق الثقافية وتطوير الموارد البشرية والمحافظة على البيئة من التلوث.لذا تقسم حقوق الإنسان اليوم إلى أجيالٍ ثلاثة:

الجيل الأول: الحقوق المدنية والسياسية ، وهي مرتبطة بالحريات، وتشمل : الحق في الحياة والحرية والأمن؛ وعدم التعرض للتعذيب والتحرر من العبودية؛ المشاركة السياسية وحرية الرأي والتعبير والتفكير والضمير والدين؛ وحرية الاشتراك في الجمعيات والتجمعات.

الجيل الثاني: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية  ، وهي مرتبطة بالأمن وتشمل: العمل والتعليم والمستوى اللائق للمعيشة؛ والمأكل والمأوى والرعاية الصحية.

الجيل الثالث:  الحقوق البيئية والثقافية والتنموية وتشمل حق العيش في بيئة نظيفة ومصونة من التدمير؛ والحق في التنمية الثقافية والسياسية والاقتصادية.

وعندما نقول إن لكل شخص حقوقاً إنسانية، فإننا نقول، كذلك، إن على كل شخص مسؤوليات نحو احترام الحقوق الإنسانية للآخرين سواءً بسواء.

 


(1)  دليل صادر عن منظمة العفو الدولية 1989؟ ؟؟

(2) محمد عبد الملك المتوكل – ندوة حقوق الانسان العربي – ص 95.

(3) عمارة بن  رمضان ، خبير في التربية و التدريب و مستشار لدى  المعهد العربي لحقوق الإنسان . ص ؟.                      

 yaseralqutachy@yahoo.com

الى الاعلى


 

إنسانية الأقوى

فتحي محمد فتحي

 

  غريب ان لا يجرح العراق .. وغريب أن لا تنتهك الإنسانية في العالم اجمع ، حيث يغيب القانون وينصب الأقوى نفسه وصياً على إنسانية الغير .. الغير في كل شئ ، قوةً وإنسانية وأهمية .. هو غير . ويمارس الاقوى وصايته التي يرسمها عبر لوحة نفطية او إرهابية او توازنية او حتى تصحيحية لحركة الكون  ومساره كما يراه هو .. يستخدم اجمل الالوان لكي تغدو اللوحة اجمل في نظره .. وبعدها الطوفان . ولكي يكون كرسي الوصايا فوق كل ضمير حيث يجثوا الجميع على الارض !! لا على ارضهم التي اختاروها وطناً لهم ورسموا حدودها و قانونها ووضعوا حتى قواعد الحب والغزل فيه .. بل على البقعة التي أطرها الأقوى لا لشيء إلا ليمارس قوته و  ينظمها فيها  … ثم يرتقي على منبر الإنسانية الذي خلفه له من قبله كي يخطب خطبته العصماء  داعيا الانسانية اجمع ،و بأسم الإنسانية ، الى احترام الإنسان حقوق اخيه الإنسان لافرق بين انسان واخر .. ليس لاحد ان يصادر احد و لااخر ان يتدخل في شؤونه . ويعلن احترام الانسانية بينما هو يسحق برؤوس اقدامه ، المتجددة عبر العصور لونا ونوعا وشكلا ، رفات الإنسانية ليرسم ظلاً لاقدامه لايزول حتى يولد الاقوى منه …. وتحدث مراسيم تسلم وثيقة انتهاك حقوق الانسانية .

فعلا ليس من الغريب ان تجرح الانسانية وتنزف جراحها لكن جرحها وانتهاك حقوقها  لا يعني بالتأكيد موتها فالانسانية قبل كل شئ احساس يولد داخلنا ونغذيه بعطائنا من اجل خدمة الإنسان …. وعلى الانسانية بصورة عامة وفي العراق بصورة خاصة ان تدون جراحها وان تحفز طاقاتها وتستنفر اقلامها وكاميراتها والياتها من اجل توثيق الانتهاكات التي تعيشها لكي لا تضيع الحقائق في وسط الاعلانات التجارية ولكي يكون بالامكان عند توافر الظروف المواتية الى استخدام تلك الوثائق في محلها المناسب ولان الانتنهاكات عامة وشاملة ولم يستثن احد من ان يكون محلا لهذا الانتهاك او ذاك .. فلم يكن بمقدور جهة لوحدها ان توثق كل ما يحدث فتضيع في وسط زحام الانتهاكات .. انتهاكات اخرى  .. لذا لابد من جهود جماعية في مجال توثيق انتهاكات حقوق الإنسان .

التوثيق فن وقد يكون علم وسيكون لنا معه وقفة أخرى . ولكن هي دعوة الى الاشخاص  والجهات والمؤسسات كافة ان تأخذ على عاتقها كجزء من مسؤوليتها هذه المهمة . مهمة توثيق  الانتهاكات توثيقاً اصولياً لكافة الانتهاكات التي تتسع يوميا لتشمل كل مفصل من مفاصل حياتنا

الى الاعلى


 

احترام المعتقد الديني والسياسي للمريض في السلم والحرب

الدكتور محمود الحاج قاسم محمد

 

من الواجبات التي اوجبها الاسلام على الاطباء احترام المعتقدات الدينية والسياسية للمرضى ، وعدم التطرق اليها او النيل منها او معارضتها من ناحية العلاج الا في حالات ضرورية قصوى فيها مصلحة المريض الصحية .

وعلى الطبيب المسلم مهما كانت عواطفه ، ان يحافظ على مهمته الوحيدة وهي الدفاع عن الحياة وعلاج المرضى ، وواجب الطبيب المسلم في الحرب ينظر اليه من عدة جوانب منها :

أ‌- احترام الانسانية : وتكريم البشرية الى الاخاء الشامل حتى مع الاعداء ، فالاسلام احترم الانسان وكرّمه بغض النظر عن دينه ، وجنسه ، ووطنه ، ونعته ، ولونه ، وهذا التكريم انما يتم بالحفاظ على حقوق الانسان جميعها .

ب‌- الرحمة في الحرب : فإذا اطمأن المسلمون الى الظفر فلا مانع من معاملة جرحى العدو ومرضاه احسن وارفق معاملة ، فالاسلام دين الرحمة بالعالمين ، وادعى ما تتطلبه الرحمة والانسانية هي حال المرض والجرح . قال صلى الله عليه وسلم (( ألاّ يجهزنّ على جريح ، ولا يتبعنّ مدبر ، ولا يقتلنّ اسير ، ومن اغلق بابه فهو آمن )) رواه البيهقي .

من هنا نلاحظ ان الاسلام ينهى عن قتال غير المقاتلة وكذلك لايجوز الاجهاز على الجرحى والمرضى في المعركة .

ج- لايجوز للطبيب ان يشارك في ممارسة التعذيب او يوافق عليه او يتغاضى عنه ، او عن أي اشكال اخرى من الاجراءات القاسية او المهينة سواءً كان متهماً او مشتبهاً به او كان مذنباً حقاً . واياً كانت معتقدات الشخص او بواعثها وذلك في جميع الاوضاع بما في ذلك الصراع العسكري او النزاع المدني .

وانطلاقاً من ذلك فإننا نجد ، وعلى مدى قرون عديدة ، بأن الاطباء العرب والمسلمين منهم حقاً كان اسلامهم يلزمهم بهذا المنهج لم يأت قسراً وانما جاء طواعية واختياراً في ظاهرهم وباطنهم ومن غير خشية من عقاب المجتمع او القانون بل رغبة في طاعة خالقهم وطلباً لمثوبته التي جعلوا حياتهم كلها وسيلة لها وطريقاً اليها.

 

الى الاعلى

 

 

اصدار كراس